فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 369

وصول علوم العربية إلى أعلى مستوياتها في الأندلس، حيث يقول [1] : (وفي القرن السابع والثامن، انتهت إليهم علوم العربية) .

مما يتقدم يتضح أنّ الروح التي كانت سائدة في عصر الموحدين، هي روح التجديد والأصالة في كل مجالات الحياة الثقافية، فقد أسس الموحدون المدارس، وعمروا المعاهد، وجلبوا كبار العلماء، واقترحوا تدوين الكتب، وعقدوا الامتحانات والمناظرات، وجمعوا المجامع العلمية المختلفة، وأسسوا خزائن الكتب، وسبقوا إلى التعليم الإجباري، وابتكروا التعليم المجاني [2] ، ووضعوا مناهج التعليم، واهتموا بالترجمة، هذا إلى ما أضفوا على العِلم وأهله من مرتبات وجوائز وصلات وإقطاعات وتنويهات وولايات، فقد فعلوا في ذلك ما سارت بحديثه الركبان، بل إنهم نجّحوا المعارف بأنفسهم، وفي شخصهم، فكان كثير من خلفاء الموحدين وأمرائهم فقهاء علماء، إلاّ أنّ الأمور لم يكتب لها أنْ تصل إلى ما كان من الممكن أنْ تصله من التقدم المستمر، بسبب اضطراب الأحوال السياسية والاجتماعية للدولة، في أواخر أيامها، مما شغل الناس عن كل إبداع بالتفتيش عن مأمن يقيهم شر الحرب وفتنها، فشرع العلماء يُهاجرون بعلمهم من الأندلس إلى شمال أفريقية، وعلى الأخصّ إلى تونس، أو إلى الشرق؛ طلبا للأمن والاستقرار.

وإذا نظرنا إلى الحياة الثقافية في تونس، نجد أنّ الأمير أبا زكريا يحيى الحفصي، قد مهّد لازدهار الحياة الثقافية، حيث كان من العلماء العالمين، ختم على الشيخ الرعيني السوسي كتاب المستصفى للغزالي، وغيره من الكتب المفيدة، وناظر في النحو علي بن عصفور، وابن الحاج، وكان فقيها أديبا، معدودا في العلماء والشعراء [3] .

إنّ العلوم الإسلامية، والعلوم الأدبية؛ علاوة على غيرها، وجدت في تونس ما يُنميها، إذ توافرت عليها ثقافتان: ثقافة أندلسية وافدة، وثقافة أصيلة، من مدرستين: مدرسة المهدية، ومدرسة القيروان، ولقحت الثقافتين ثقافةٌ شرقية، جلبها إمَّا بعض الأندلسيين الوافدين، الذين زاروا المشرق قبل أنْ يستوطنوا تونس، أو بعض الأفارقة الذين قصدوا المشرق؛ لتتميم هذه الثقافة.

(1) لطيف عبد البديع، الإسلام في إسبانيا، ص 74.

(2) محمد المنوني، العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، ص 16.

(3) الوزير السراج، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، ق 4، 1/ 1025.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت