الفصل الثالث من الباب الأول، وأمَّا مصادر الصنف الثالث، فقد أُشبِعت دراسة من قبل الباحثين [1] ، ولم تعد بحاجة إلى مزيد دراسة.
لقد كانت قصتي مع المصادر قصة طويلة مضنية، فالمادة مبعثرة في كتب التراجم والتاريخ والنحو، وكم من مرة حسبتني أظفر بشيء، يُنير لي الطريق، ولكنني كنت أخرج من القراءة صفر اليدين، كما بدأت، وليس هذا تعبيرا عن الأسف، وإنما هو تعبير حقيقي عما يُصادفه المرء في بحثه من عناء ومشقة، كما أنّ بحثي هذا يتصل بكتب ما تزال مخطوطة، وقد واجهتني صعوبة بالغة في الحصول عليها، فسافرت إلى كل من القاهرة وبغداد ودمشق والجزائر، فعثرت على بعض ما أردت.
لقد حاولت جهدي أنْ تتصل هذه الدراسة اتصالا وثيقا بالمصادر الأصلية، كي تكون أشد إلماما بالمنهج العلمي، فكان لي الكثير من ذلك ـ فيما أزعم ـ من غير حول مني ولا قوة.
أمَّا تخطيط الأطروحة، فقد خضع لاعتبار مضمون المادة العلمية، التي اشتملت عليها مصنفات ابن عصفور، لذا فإنّ طبيعة البحث قد اقتضت أنْ يُقسم على ثلاثة أبواب، يسبقها تمهيد، وتقفوها خاتمة.
فالتمهيد تحدثت فيه عن الحركة اللغوية في الأندلس، من حيث حركة التأليف في اللغة والنحو، واتجاهات الدراسة النحوية قبل ابن عصفور، وقدّرت أنّ ذلك يُلقي الضوء على واقع النحو والصرف في المغرب والأندلس؛ حتى عصر ابن عصفور، ومدى تأثُّر تلك البلاد بالكتاب المشرقي، وأثر ذلك على حركة التأليف.
وجعلت الباب الأوَّل لعصر ابن عصفور، وحياته، وآثاره بالتتابع، فبحثت في الفصل الأول عصر ابن عصفور من النواحي السياسية، والاجتماعية، والثقافية، ليكون ذلك مدخلا للحديث عن حياته، لأنّ في ذلك تسليطا للأضواء على منابت حياة ابن عصفور، كما أنّ في ذلك توضيحا وتفسيرا لبعض التوجهات الفكرية، التي أثّرت بشكل واضح على طبيعة آثاره ومصنفاته.
(1) انظر على سبيل المثال الدراسة التي قدمها كل من:
ــ عبد السلام محمد هارون، لكتاب سيبويه، مقدمة المحقق 1/ 23 ــ 59.
ــ عبد السلام محمد هارون، لخزانة الأدب، مقدمة المحقق 1/ 19 ــ 24.
ــ محمد عبد الخالق عضيمة، لمقتضب المبرد، مقدمة المحقق 1/ 66 ــ 88.
ــ علي توفيق الحمد، لجمل الزجاجي، مقدمة المحقق، ص 18 ــ 33.
ــ عبد العال سالم مكرم، لهمع الهوامع، مقدمة المحقق 1/ 11 ــ 16.