تصنيفه كتاب شرح الجمل، ونلمح ذلك من خلال أقواله، التي كان يَعِد فيها بمناقشة بعض موضوعات جمل الزجاجي، في مصنف خاص بالتصريف، وكأني بابن عصفور قد أخذ على نفسه عهدا أنْ يشرح كتاب جمل الزجاجي في كتابين: كتاب خاص بالقضايا النحوية، وآخر خاص بالقضايا الصرفية، ولكنّ القضايا الصرفية في الممتع ازدحمت عليه، من خلال تنسيقه لجهود عدد كبير من علماء التصريف، ففاقت المسائل التي عرض لها الزجاجي في جُمَلِه، من حيث الكم والنوع.
ترتيب الكتاب وتقسيمه:
علينا بادئ ذي بدء أنّ نقرر أنّ ابن عصفور لم يخالف الزجاجي في منهجه الذي ارتضاه عند ترتيب أبواب الكتاب، ولعل ذلك كان سببا في أنّ ابن عصفور لم يُقدم ـ كعادته في أكثر كتبه ـ لكتاب شرح الجمل، ولم يُبيّن الغرض الذي من أجله عكف على شرح هذا الكتاب.
فقد رتب الزجاجي أبواب كتابه ـ فيما لاحظناه ـ على أساس نظرية العامل، وعندما ازدحمت عليه القضايا النحوية، تحلل من هذا الأساس، وخضع لاعتبارات أخرى.
لقد تناول الزجاجي طوائف نحوية وصرفية ولغوية على شكل مجاميع؛ مبتدئا بالأبواب النحوية، التي يكون مدار البحث فيها حول أثر العامل في الأسماء والأفعال، وما يُحدثه من رفع أو نصب أو خفض أو جزم، وقد خفي هذا الترتيب على أحد الباحثين المعاصرين [1] ، فزعم أنّ كتاب الجمل قد جاء على غير نظام، من حيث التبويب والتنسيق.
لقد سار ابن عصفور في شرحه على نظام الزجاجي في جمله، من ناحية تبويب موضوعات الكتاب، وإذا كان هناك من اختلاف بين الكتابين، فهو اختلاف في الزيادة، والحذف، والتوضيح، والدمج، وليس هناك أي اختلاف بين الكتابين من حيث التقديم والتأخير.
فمن حيث الزيادة، زاد ابن عصفور باب عطف البيان، وباب الأخبار، كما زاد فصلا في شواذ النَسَب، وهذه الموضوعات ليست في كتاب الزجاجي، الذي بين أيدينا، وربما كانت موجودة في كتاب الجمل، ولكن عوادي الزمن عدت عليها، وليس أدلّ على ذلك من أنّ محقق شرح الجمل قد عدّ من مواضيع الزيادة: باب عطف البيان، وباب ما رخمت الشعراء في غير النداء اضطرارا، وباب الاستثناء المقدَّم، وعندما رجعنا إلى كتاب الجمل الذي حققه علي توفيق الحمد، وجدنا أنّ باب ما رخمت الشعراء موجود في كتاب الجمل، وكذلك
(1) هو علي محسن عيسى مال الله، محقق كتاب شرح جمل الزجاجي، لابن هشام الأنصاري، انظر مقدمته للشرح، ص 50.