البابيين جميعا البراءة إلى الله مما ينسب إليهم. بل لقد سمعوا عن الباب نفسه أنه أعلن بنفسه من على منبر المسجد الكبير أنه على دين الإمامية؛ ولهذا صمم الذين صنعوا إفك البابية على أن تجتاح الفتنة العوام مع الخواص؛ ليضطرب المجتمع كله، ويقتتل الجميع حول الصنم الجديد، ويشقق الجدل المحموم الأرحام!.
وكانت أول وسيلة أعدت؛ لتبلغ المؤامرة غايتها عقد مؤتمر عام في صحراء"بدشت"بدعوى الاستماع إلى البشائر التي وردت من قبل الإمام المنتظر الذي ظهر. وقبل تفصيل ما دار في المؤتمر نذكر أن البابيين - كما بينا - لم يكونوا على عقيدة واحدة، ولا رأى واحد في أمر الباب، وإليك ما يقوله مؤرخهم الأكبر عبدالحسين آواره:"كانت تكاليف الأمر الجديد مغلقة غامضة على الأحباء، حتى ذهب بعضهم إلى أن هذه الحركة تابعة للشرع الإسلامي في الجزئيات والكليات، وتمسك البعض بأنها أمر مستقل، وشرع مستأنف، وكان الأحباء بادئ ذي بدء يستفتون الطاهرة - أي قرة العين - كلما عرض لهم أمر مشكل، فتجيبهم عليه. ولكن لما تشرفت بحضور حضرة بهاء الله - يعني ميرزا حسين علي - رهنت الإفتاء بإشارته" [1] هذا النص يؤكد أن قرة العين هي ربة هذا الدين الزائف وموئله، وأن البابيين لم يكونوا على بينة ما مما كان يدعو إليه الباب، وأن مضرمي فتنة البابية كانوا يعملون بجد من وراء ستار؛ لتبرز البابية في معارضتها السافرة، وتحديها الوقح لأصول الإسلام.
وكان البابيون في المؤتمر فريقين أحدهما تحت رئاسة البشروئي والقدوس. والآخر تحت رئاسة البهاء وقرة العين. كما كانت منتديات المؤتمر نوعين. أما أحدهما فكان يباح للجميع شهوده، والاشتراك في مناقشاته. وأما الآخر، فكان لا يشهده إلا أئمة البابية، وكان ما يدور حوله البحث في هذه المنتديات الخاصة هو: مسألة نسخ البابية للشريعة الإسلامية. وقد انتهى رأى هؤلاء إلى أن الباب أعظم وأجل مقاما من جميع الرسل، وأن ما أوحى إليه من دين أثم وأكمل من كل وحي، ودين سابق. ولقد أصرت قرة العين - بإيعاز من البهاء - على وجوب إفهام الجميع - كما يقول مؤرخهم نفسه - بأن للقائم مقام المشرع وحق التشريع. كما أصرت على وجوب الشروع فعلا وفورا في إجراء بعض التغييرات كإفطار رمضان ونحوه. وهذا الذي انتهى إليه رأي المؤتمرين سجله مؤرخهم بقلمه [2] . كما انتهى رأيهم أيضا إلى وجوب إنقاذ الباب بالقوة.
(1) ص 217 وما بعدها الكواكب الدرية.
(2) ص 219 الكواكب.