وتزعم البهائية أنها تستمد من القرآن حجتها في مسألة المعرفة، فلننظر في كتاب الله؛ لنعرف كيف افتروا على الله الكذب.
يقول ربنا سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] . ولنتدبر فيما ورد من آيات في سورة عبس؛ ليتجلى لنا أن القرآن لا يحقر أبدًا من شأن المعرفة (الحسية) ، بل يدعو إلى استخدام حواس السمع والبصر واللمس والشم والذوق، وقد بلغ من حفاوة القرآن بالعقل أنه ختم كثيرًا من الآيات بقوله سبحانه: إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، أو لقوم يتفكرون، ووصف الذين لا يعقلون بأنهم شر الدواب {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] . من هذه الآية - ومثلها كثير - يتبين لنا بجلاء أن القرآن يقدر الإدراك الحسي، والإدراك العقلي، ويحترم النقل الصحيح. تدبر قوله سبحانه: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148] .
ويقول سبحانه عن الجن الذين صرفهم الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليستمعوا القرآن: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 29، 30] . يدعونهم إلى الإيمان بما نقلوه نقلًا صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يعادي القرآن النقل الصحيح عن الحق كما تزعم البهائية؟
غير أن القرآن يوجب أن نجعل وحي الله سبحانه هو الفيصل الأكبر، والحكم المطاع عند التنازع، وأن نجعله وحده هو المصدر الذي نستمد منه معارفنا الدينية: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] .
إنها دعوة الحق التي تتفتح لها القلوب وتخشع، وتتطامن العقول وتذعن. دعوة توجب على السمع أن يسمع، وعلى البصر أن يبصر، وعلى العقل أن يتدبر، وعلى الفكر أن يتفكر؛ لتتعاون كل هذه القوى في سبيل إمداد النفس بيقين المعرفة، وصدق الإيمان بأن ما جاء به رسول الله هو الحق.
وقد حارب القرآن هذه الطائفة التي تقول: إنا وجدنا آباءنا على أمة؛ لأنها عطلت عقولها وحواسها، فأبت أن تعقل، وأبت أن تشعر!