فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 284

يرى؟! يرى أنهم يلزمونه بالإيمان بأن الصفات الإلهية ليست عين الذات، ولا غير الذات! فلا هي هو، ولا هي غيره، ويحاول أن يفهم، فيستحيل عليه الفهم! فيقذف بالكتاب بعيدًا ثم يعود، فيستفزه الرعب مما فعل! ألم يرم بكتاب مقدس كما صوروا له؟! ويقرأ مرة أخرى في هذه الكتب رأي من يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه، ويرتاع من كلة"الخلق"هذه، ويفزع إلى حجة تقضي على هذا الرأي، فلا يرى إلا من من يقول إلا من يقول له: إن الله خالق، والعبد كاسب. ويحاول أن يفهم هذا القول الذي يقرر: أن الله هو الخالق لفعلك، وأنت الكاسب لفعلك، ويستحيل عليه الفهم! وهكذا يظل يضرب في تيه لا يعرف في ظلمائه لمحة من نور، ولا يستنشى لليله نفحة من صباح!

جناية المذهبية: ثم يا ويل شبابنا أيضا من المذاهب الفقهية المتصارعة! لقد وقع في يد أحدهم كتاب من الكتب التي تعنى ببسط هذه المذاهب، فمضى يقرأ فيها عن الوضوء، وسامه الكتاب التخبط في مصطلحات مذهبية غُمٍّ لا يلمح لها صفاء وجه، ولا وضح جبين. وظل يكابد الصبر العنيف لعله يعرف من هذا الكتاب كيف يتوضأ، ولكنه رأى الصبر يتمرد عليه، فرمى بالكتاب سأْمَان ملولًا يتميز من الغيظ، وتلهبه الحسرة! إنه ضل بين شروط الصحة، والفروض والواجبات والسنن والمستحبات، وغير ذلك مما زمجرت به أنواء الكتاب! فلجأ إلى كتاب آخر ألفه شيخ يدين بمذهب آخر لعله يهديه! فماذا رأى؟ لم ير إلا ما زاده جهالة بما يريد أن يعرفه. فلقد رأى هذا الكتاب يقول عن أمر ما: إنه سنة، على حين كان الكتاب الأول يؤكد له أن هذا الأمر فرض أو واجب! فماذا يفعل؟ لقد هفا إلى شيخ كبير يسأله ويستهديه فبدهه الشيخ بسؤال محير: ما مذهبك؟! وحار الشاب! إنه يعلم أنه مسلم، ولكنه لا يعلم على أي مذهب هو؟ وأخيرا استطاع أن يقول للشيخ: أنا مسلم يا أبتاه! فَزَمَّ الشيخ شفتيه ممتعضا مزدريا، ثم قال: يا ولدي أنا على مذهب فلان، ولا يجوز لي أن أفتى إلا به! ومضى الشاب حيران متثاقل الخطو! وساقته قدماه إلى مسجدٍ ما، فدلف إليه، ونظر كيف يتوضأ الناس، وفعل كما فعل أحدهم، ثم جلس يصغي إلى خطبة الجمعة، وسمع الخطيب يتحدث عن زكاة الفطر، فكان مما سمعه: إن عليك أن تخرج مقدار كذا إن كنت شافعيا، وكذا إن كنت حنفيا، وكذا إن كنت مالكيا، وكذا إن كنت حنبليا، وتساءل الشاب: أهؤلاء أربعة رسل جاءوا بأربعة أديان، وهو يعلم أن دين الله واحد هو الإسلام، وأن رسوله واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم؟! وعصف القلق والهم برأسه، وراح يغمغم: يا ترى كيف يخرج الزكاة، وما له من مذهب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت