تثيرها ضد يزيد، وراحت تجهد مكرها حتى استطاعت أن تخدع الحسين، فدعته إلى ما صوروه أنه حق وخير، والى ما ظنه هو كذلك، وهو إنقاذ الأمة الإسلامية من ظلم بني أمية وجور يزيد وفسوقه! فاستجاب لهذه الدعوة، ظانا أن الذين دعوه فوارس إسلام وأبطال استشهاد، فقد أكدوا له ذلك في مئات الرسائل التي طارت إليه منهم أكدوا له أنهم عشرات ألوف في يد كل منهم صارم بتار تضرب به عزيمة جبارة.
الحسين يرفض النصيحة: وخرج الحسين من مأمنه يقصد الكوفة حيث احتشدت الألوف رياء حول مسلم بن عقيل ابن عم الحسين ورسوله إلى أولئك فأسرع عبدالله بن عباس إلى الحسين ينصحه بقوله:"إني أعيذك بالله أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فان كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم، وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبى بلادهم، فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغروك ويخالفوك ويخذلوك، ويستنفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك"وأشاح الحسين بوجهه عن النصيحة، بيد أن ابن عباس لم ييأس. فعاد يكرر نصحه بقوله:"إنك تأتي قوما قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، وما أراهم إلا خاذليك" [1] ثم تشبث ابن عباس ببقية من رمق. ثم قال:"فإن كنت سائرًا. فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه، وولده ينظرون إليه" [2] وأبى الحسين إلا أن يبر بوعده مع أولئك الذين ائتمروا مع الشيطان والخيانة، وحينما شارف شفا المأساة، وعلم الذين خدعوه أنه قد سدت عليه المسالك. بدأ المؤتمرون في تنفيذ مؤامرتهم، فانفضوا من حول مسلم بن عقيل، وتلفت هذا يبحث وينقل عن هذه الألوف التي كانت تومض سيوفها معه في الصباح، فلم ير إلا وهما كذوبا وأشباحا تفر تحت غياهب الليل!
مأساة مسلم بن عقيل: أسرع عبيد الله بن زياد بجبروته وحزمه الصارم إلى الكوفة؛ ليردع هؤلاء الذين خرجوا على الخليفة الشرعي، واحتشدوا حول"مسلم"بغية تدمير الدولة والأمة، ثم اعتلى المنبر، وصاح بها هادرة زاجرة ناصحة:"أنا لمحسنكم كالوالد البر، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه [3] ، وتلفت مسلم عند صلاة المغرب هنا وهناك يبحث من الألوف من السيوف والأبطال الذي"
(1) ص 256 جـ 3 الكامل، ص 64 جـ 3 مروج الذهب، ص 162 جـ 8 البداية، ص 109 مقاتل الطالبيين، وثمت نصائح كثيرة تقرأها في هذه المصادر.
(2) ص 276 جـ 3 الكامل.
(3) ص 269 المصدر السابق، 97 مقاتل الطالبيين.