كانوا معه في ضحى اليوم، فلم يجد سوى ثلاثين رجلا، وحينما فرغ من صلاته، وخرج من المسجد، تلفت، فلم يجد من الثلاثين إلا ذكرى، ولم يسمع إلا أصداء خفق نعال ملهوفة مذعورة السرى تحت جنح الليل!! لم يجد إلا مكيدة دبرت بإتقان وإحكام؛ لتقضي بها السبئية على الحسين، ثم تولول بعدها أبد الدهر على دمه صدعا لوحدة الجماعة! وطوي الليل مسلما طريدا شريدا في الدروب التائهات المظلمات، لا يجد عاطفة تحنو، ولا يدا تعين، ولا بيتا يؤوي، ولا عينا تسارقه النظر؛ لتهديه في حيرته، ثم تهاوى من الإعياء على باب امرأة، فبصرت به، فسقته كما أراد ثم أمرته أن ينصرف، فقال الضحية المفجوع قولته التي سجلت على السبئية أنهم هم الذين يحملون وزر قتل الحسين:"ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك إلى أجر ومعروف، ولعلى أكافئك به بعد اليوم؟!"فقالت المرأة الطيبة:"وما ذاك قال:"أنا مسلم بن عقيل. كذبني هؤلاء القوم، وغروني"فآوته المرأة، ولكن ابنها - وكان أموي الهوى - فضح سر مسلم، فقبض عليه جنود ابن زياد، ثم سيق إلى الموت، فتضرع إلى عمر بن سعد أن يقرب منه؛ ليسمع منه وصيته، وهم عمر أن يمتنع، فقال له ابن زياد:"لا تمتنع من حاجة ابن عمك"فمضى عمر إلى مسلم؛ ليسمع وصيته، فقال مسلم:"إن عليَّ بالكوفة دينا، فاقضه عني، وانظر جثتي، فاستوهبها، فوارها، وبعث إلى الحسين من يرده"وسمع ابن زياد من عمر ما قاله مسلم له فقال لعمر:"أما مالك، فهو لك تصنع به ما شئت، وأما الحسين، فإن لم يردنا، لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، أما جثة مسلم، فإنا إذا قتلناه، لا نبالي ما صنع بها"ثم قال لمسلم:"أتيت الناس، وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة؛ لتشتت بينهم، وتفرق كلمتهم"وحينما أيقن مسلم أنه لابد مقتول، قال لمحمد بن الأشعث:"هل تستطيع أن تبعث من عندك رجلا يخبر الحسين بحالي، ويقول له عني؛ ليرجع بأهل بيته، ولا يغرك أهل الكوفة؛ فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل"فقال ابن الأشعث:"والله لأفعلن"ثم أرسل إلى الحسين رسولا بما قال مسلم [1] ، وقتل مسلم، والحسين في تصميمه على الوفاء بوعده."
ضراعة إلى الحسين: وبينما كان الحسين في طريقه إلى الكوفة، جاءه كتاب من ابن عمه عبدالله بن جعفر، وفيه يقول:"إني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك"غير أن الحسين ظل يصعد حتى انتهى إلى ماء من العرب، فإذا عليه عبدالله بن مطيع، فلما تبين ما يريد الحسين، قال له:"أذكرك الله يا ابن رسول الله، وحرمة"
(1) ص 272 وما بعدها جـ 3 الكامل، ص 105 وما بعدها مقاتل الطالبيين، وقد أدرك رسول ابن الأشعث الحسين وهو بزبالة.