فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 284

الإسلام أن تنتهك، فلا تفعل، ولا تأت الكوفة"وأبى الحسين إلا مضيا، فمضى، فبغته وهو في طريقه مقتل مسلم، فهم بالعودة غير أن صرخة الثأر التي انطلقت من آل ابن عقيل دفعت بالحسين إلى الأمام في سباق مع المصير، وثمت لقيه شيخ عربي، فقال له:"أنشدك الله لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف. إن هؤلاء الذين بعثوا إليك، لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطَّأوا لك الأشياء، فقدمت عليهم، لكان ذلك رأيا. فأما على هذه الحال التي تذكرها، فلا أرى لك أن تفعل"ولكن عاطفة الحسين كانت أقوى من كل رجاء وتوسل ونصيح، فمضى في طريقه."

بين الحسين وبين قواد الأمويين: أقبل الحر بن يزيد التميمي في ألف فارس ليحمل الحسين إلى ابن زياد، فحدثه الحسين عن الكتب التي أرسلت إليه، فقال الحر:"إنا والله ما ندري ما هذه الكتب، والرسل التي تذكر"فأخرج الحسين خرجين مملوأين صفحا، فنثرها، فقال الحر:"فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا أنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك، حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله ابن زياد"فقال الحسين:"الموت أدنى إليك من ذلك"وأمر الحسين صحبه، فركبوا؛ ليستأنفوا المسير، فمنعهم الحر، فقال الحسين:"ثكلتك أمك ما تريد؟"فقال الحر:"أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي، ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنا من كان، ولكني والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه"فقال الحسين: ما تريد! فقال الحر: أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد فقال الحسين: إذن والله لا أتبعك! فقال الحر: إذن والله لا أدعك .. فترادا الكلام ثلاث مرات، ثم قال الحر:"إني لم أُومر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك، حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت، فخذ طريقًا لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى المدينة، حتى أكتب إلى ابن زياد، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك". فسار الحسين بصحابه متياسرا عن طريق العذيب والقادسية، والحر يسايره حتى لقيا عمر ابن سعد في أربعة آلاف، فاجتمع به الحسين، وخرج عمر من هذا الاجتماع الطويل مسرورا، وكتب إلي ابن زياد:"أما بعد: فإن الله أطفأ الثائرة، وجمع الكلمة، وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه، أو أن نسيره إلى أي ثغر من الثغور شئنا، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين، فيضع يده في يده، وفي هذا لكم رضا، وللأمة صلاح"وقال ابن زياد بعد أن قرأ كتاب عمر:"هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه. نعم قد قبلت [1] ولكن شمر بن ذي الجوشن نصح"

(1) انظر في كل ما ذكرنا من ص 276 إلى ص 284 جـ 3 الكامل لابن الأثير وص 172 جـ 8 البداية والنهاية لابن كثير، وانظر ص 113 مقاتل الطالبيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت