وقد كان لكتمان اسمه، ولهذه التوقيعات أثر في نفوس بعض الناس، فصدقوا أن الإمام الغائب قد ظهر، غير أن كثيرا منهم لعنوها، ولعنوا مقترفيها حينما عرفوا اسم القائم المزعوم، وعرفوا أنه هو هذا الغلام المأفون. وقد كان هذا هو أشد ما يخشاه الدعاة والغلام [1] .
الباب وإعلان دعوته في مكة: زعم كهنة الأساطير أن القائم سيظهر بين الركن والمقام في مكة شاهرا سيفه؛ ولهذا زعمت البهائية أن الباب رفع الصوت جهرة تجاه الكعبة بقوله:"أيها الناس أنا القائم الذي كنتم به تنتظرون". وينكر الثقاة هذا مؤكدين أن الباب إنما خرج مع أتباعه قاصدا مكة، فاضطرب البحر فخشي الغرق، فاختفى في"بوشهر"إلى أن انتهى موسم الحج، ثم ظهر زاعما هو وأصحابه أنه أعلن الدعوة في مكة. ويقول هؤلاء: لو أن الباب أعلن دعوته هناك، بين أولئك الألوف من الحجاج الوافدين من شتى الأقطار الإسلامية لكان لدعوته هذه الدوي الذي يمور به كل بلد إسلامي، ولقامت عليه قيامة الحجاج هناك، ولتسامع به حكام مكة وأمراؤها من العرب والترك، ولأخذوه بإفكه أخذا شديدا، ولكن شيئا من هذا لم يحدث مما يدل على أن الباب لم يذهب إلى مكة. أو على أنه ذهب، ولكن لم يهمس هناك بهمسة!
القبض على الباب: ثار العلماء على دعاة البابية في شيراز. فقبض واليها حسين خان عليهم، ورمى بهم في جب عميق بعد أن قطع أعصاب كعوبهم [2] .
ثم أمر الحاكم بإحضار"الباب"من بوشهر، فأحضر، وحمل إلى مجلس الحاكم، فخر على الأرض ترتعد فرائصه، وتعول مشاعره من الرعب، والحاكم يلطمه، ويبصق في وجهه، ويدمغه بنقائصه. ثم رمى به في السجن، ثم بدا للحاكم أن يسبر أغوار الباب، فاستدعاه إليه، وأدناه منه في رفق وبشاشة ثم سكب بين يديه دموعا زعم أنها دموع توبة وندامة على ما فرط منه في حق الباب وحق أتباعه ثم قال له: لقد زرتني يا سيدي في حلم من أحلامي، وقلت لي:"إيه يا حسين إني أرى نور الإيمان يلوح من وجهك، فقمت من نوني، وقد أشرق نور الإيمان في قلبي بأنك المهدي المنتظر"وسقط الغر المأفون في الفخ الأسود الذي نصبه له الحاكم، واستبدت به لوثة فرح وثنى، ثم صاح - والصدق يلعنه:"طوبى لك! إن الذي رأيته لم يكن في المنام، بل كان في اليقظة. وإني بنفسي حضرت مضجعك، وخاطبتك بما سمعت"وأيقن الحاكم أنه أمام حدث يتخبطه الشيطان من المس، ويتخذه الإفك تعبيرا متجسدا عنه، ورغم إيمان الحاكم بأن الغلام
(1) (( ص 171 الكواكب الدرية.
(2) ص 79 الكواكب الدرية.