الذي بين يديه يحلو له احتراف الكذب الحقير، فإنه تراءى بالتصديق بغية اجتلاء هدفه السياسي، وبادر يهمس في سمع الباب بأنه يشرف؛ إذ يضع نحت إمرته جنوده وخزينة مال الحكومة متى أراد! فتجرع الباب هذا السم الناقع يظنه شهدا، ومضى يمنى الحاكم بأنه سيجعل منه سلطانا فيما بعد على الدولة العثمانية حينما تدين الدنيا كلها له، ولكن الحاكم أخبره أن يكفيه أن يكون الباب راضيا عنه، ثم طلب منه أن يأمر دعاته بالكف عن الدعوة، حتى لا يثيروا غضب الحكومة، فتحشد جيشها للقضاء على الدعوة قبل أن يتمكن هو من حشد جنوده لنصرها ونشرها! ونفذ الباب ما طلب الحاكم، ومكث غير بعيد، ففوجئ بحشد من العلماء في قصر الحاكم، ففزع فطمأنه الحاكم، وادعى أنه ما جمع هؤلاء الشيوخ إلا ليمكن الباب من إعلان دعوته أمامهم، وإلا ليرغمهم بعدها على الإيمان به، وأكد له أن من سيجرؤ منهم على إظهار الكفر به، فسيكون القتل مصيره، فاطمأن الباب، وحضر مجلس العلماء ثابت الجنان طاغي الجرأة، ثم بده الجميع بقوله:"إن نبيكم لم يخلف لكم بعده غير القرآن، فهاكم كتابي البيان [1] ، فاتلوه، واقرءوه تجدوه أفصح عبارة من القرآن" [2] وكظم العلماء ثورتهم فقد أمرهم الحاكم من قبل أن يصابروا الباب طويلا، حتى يعترف كتابة بدينه. وبعد قليل طلب منه الحاكم أن يسجل ما يدعو إليه كتابة؛ لتتم الحجة على العلماء، ففعل، ونظر العلماء فيما كتب، فلم يجدوا إلا كفرا بواحا، وخلطا وخبطا تخبط به عشواء في مهمة مظلم، وأخطاء تدمغه بالعي والجهالة. وحينما نبه إلى هذه الأخطاء الدون ألقى التبعة على الوحي الإلهي! واستفتى الحاكم العلماء في شأن الباب، فأفتى بعضهم: بكفره، والآخرون: بجنونه. وهنا هتك الحاكم القناع عن وجهه، فقد ظفر بسر الباب وعلانيته. وكان مما رمى به في وجه الباب قوله:"كيف تدعى الرسالة، وترجح نفسك على خاتم النبيين، وأنت عاجز عن التعبير عن مكنون نفسك. إني أرى قرائن أحوالك تثبت اختلال عقلك، وفساد دماغك وعتهك وبلهك، فلأ عذبنك لعلك ترجع عن غيك"ثم أمر فعلق الباب من ساقيه، وتهاوت على جسده الهضيم عصا غليظة في غلطة جحوده وكفرانه، وهو في عوائه المقيت يستغيث ويستغفر، ويطلب التكفير عن سيئاته!
كفر الباب بدعوته: ورضي الباب أن يطاف به في الأسواق على دابة شوهاء، وأن يعلن التوبة من كفره على منبر المسجد الكبير، وحينما تخطى الباب عتبة المسجد هرول إلى شيخ
(1) ألفه وهو في (بوشهر) .
(2) (( ص 38 وما بعدها تاريخ البابية.