العلماء، ثم خر ساجدا بين يديه مسترحما، ثم ارتقى المنبر، وأعلن رجوعه عن كل ما ادعاه، وأنه على دين الاثني عشرية؛ لأنه الحق اليقين [1] . وبعد هذا ألقي به في غيابة السجن.
ذيوع أنباء الباب: وأجَّت أنباء الباب! ومن خصائص الدهماء أنهم لا يستبطنون حقائق الأحداث، وإنما يأخذهم منها ذلك المظفر الخلوب الذي يتخايل في شفوف من روعة الفداء والتضحية والبطولة من أولئك الذين يدعون بالدعوة الجديدة دون أن يفكر أولئك المختولون: أتستحق هذه الدعوة تضحية وفداء أم لا؟ فحينما عذب حاكم شيراز دعاة الباب، وقطع منهم أعصاب كعوبهم اتخذ بعض الحمقى من تجلد هؤلاء دليلا على صدق ما يدعون إليه! وما أهون قيمة الحق إذا اتخذنا من مثل عمل هؤلاء التافهين المأفونين دليلا يثبته وحجة تؤيده!.
هذا شيء! وشيء آخر، هو احتشاد هذه الطائفة الكبرى من العلماء المشهود لهم عند الناس حينئذ بالمكانة العلمية الفائقة لمناقشة غلام مسكين، ثم هذا الطواف به في الأسواق مهينا على دابة شوهاء، والضرب المبرح المهلك الذي عاناه الفتى اليتيم المنتسب إلى بيت النبوة، كما كان يشاع بين القوم [2] كل هذا آثار في بعض القلوب التي تسيطر عليها العواطف الهوج عطفا على الشاب ولو أن الباب جهر بدعوته في بيئة تعرف الحق، وتؤمن به ما وجد له نصيرا، وما تردد صدى دعوته إلا في حلقة، ولانطوى كأحقر الدود على نفسه يخبط ذيله برأسه، ورأسه بذيله، ولكن الباب ظهر بين قوم عاشوا لعبادة الأساطير [3] .
تفاهة: يحدثنا تاريخ البابية المكتوب بأقلامهم أن كل الشيوخ الذين آمنوا بالباب قد اتخذوا من أجوبة الباب عن أسئلة كلامية برهانا لهم على أنه هو القائم كما اتخذوا كذلك من تفسيره لبعض آيات القرآن تفسيرا لم يسبقه - كما زعموا - إليه سابق! ويالنبي لا تكون له من حجة سوى الهذر بتفايات من ضلالة يزعم أنها فلسفة وتصوف! ولقد عرف الباب تفاهة الذين آمنوا به؛ إذ كان اليقين الثابت في نفسه: هو أنه أحقر أكذوبة تستحق أن يلعنها كل من يحتقر الكذب كما كان اليقين الثابت في نفسه أيضا هو: أن أصحابه هؤلاء إما سفهاء العقول مظلمو
(1) (( ص 138، 141 وما بعدها، تاريخ البابية. 88 الكواكب.
(2) نشر عنه أصحابه هذا؛ لينال احترام الناس وليصدقوه في زعمه أنه القائم.
(3) كان الشيوخ يعتلون المنابر، ويحتجون بهذه الكلمات: (ما الذي جرى بجابلقا، وأين ذهبت جابلصا - المدينتان السحريتان الخاصتان بغيبة الإمام - وما معنى الغيبوبة الصغرى وماذا حدث للغيبوبة الكبرى؟ كيف نعمل بطيران النقباء والنجباء إلى أين نذهب بفتوح الشرق والغرب. أين حمار الدجال) ص 18 مقالة سائح، هذا ما كان يحتج به أئمة الاثني عشرية لإثبات ضلالة الباب، ولا ريب في أنه احتجاج بباطل كسيح، ولهذا استطاع الباب العيش سنين بينهم!