شاور المنصور سلم بن قتيبة في قتل أبي مسلم صاحب الدولة فقال: لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا فقال عيشك، واستشار فيه آخر فقال: ولن يجمع السيفان ويحك في غمد.
واستشار معاوية الأحنف في بيعة يزيد فقال الأحنف: أنت أعلم بليله ونهاره وسرّه وإجهاره، فإن كنت تعلمه لله رضا وللأمة صلاحا، فلا تشاور فيه أحدا. وإن كنت تعلم غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا.
الممدوح بأنّه مستشار
وقالت امرأة من أياد:
المستشار لأمر القوم يجزئهم ... إذ الهنات أهمّ القوم ما فيها
وقال أبو تمّام:
يطول استشارات التجارب رأيه ... إذا ما ذوو الرأي استشاروا التجاربا
الرغبة في الاستبداد بالرأي
قال بعض الحكماء: ما استشرت أحدا قط إلا تكبّر عليّ وتصاغرت له ودخلته العزّة وأدركتني الذلّة. وإيّاك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب.
وكانت الفرس والروم مختلفين في الإستشارة.
فقالت الروم: نحن لا نملك من يحتاج أن يستشير، وقالت الفرس نحن لا نملك من يستغني عن المشاورة وفضل الفرس لقوله تعالى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)
وما زال المنصور يستشير أهل بيته حتى مدحه ابن هرمة بقوله:
يزرن امرأ لا يصلح القوم أمره ... ولا ينتحي الأدنين فيما يحاول
فاستوى جالسا وقال: أصبت والله. فما استشار بعد ذلك.
وقال بعض جلساء هارون: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذلك أني رأيت الرشيد يوما وقد تنفس تنفسا، مفكرا فانشدت في أثره:
واستبدّت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبدّ
فاصغى إليه واستعاده فقتل جعفرا بعد عن لبث.
وقال المهلّب: لو لم يكن في الاستبداد بالرأي إلا صون السر، وتوفير العقل لوجب التمسك بفضله.
المتفادي من أن يستشار
استشار عبد الله بن عليّ عبد الله بن المقفّع، فيما كان بينه وبين المنصور، فقال:
لست أقود جيشا ولا أتقلّد حربا ولا أشير بسفك دم وعثرة الحرب لا تستقال، وغيري أولى بالمشورة في هذا المكان.
واستشار زياد رجلا فقال: حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر واختبار متظاهر ولا أراني هناك.
واجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم من يوم
الكلاب فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني وليس معي من حدة الذهن ما ابتدئ به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا فإني إذا مرّ بي الصواب عرفته.
(2) ما جاء في الحزم والعزم وما يضادّهما، والظنّ والشكّ والتثبت والعجلة
(ماهية الحزم والعزم)