وكان يونس يختلف إلى الخليل يتعلم منه العروض فصعب عليه تعلّمه، فقال له الخليل يوما: من أي بحر قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض.
وقيل اختر كل إنسان للفنّ الذي يستطيبه، فبقدر شهوته يكون نفاذه فيه.
منع العلم عن غير أهله
قال المسيح عليه السلام: لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. وكن كالطبيب الحاذق يضع دواءه حيث يعلم أنه ينتفع به.
وفي بعض الكتب يا بني إسرائيل لا تطرحوا الدرّ بين أيدي الخنازير فتطؤه وهي لا تعرفه.
وقال الإمام الشافعي (رضي الله عنه) :
ومن منح الجهّال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقيل: ما كلّ تريبة تحتمل القلائد، ولا كلّ ضريبة تستحقّ الفوائد.
النّهي عن تعليم الأوغاد، وذمّهم إذا تعلّموا
قالت الحكماء: لا تعلمنّ الدنيء علما فيستفيده منك، ويصير به عدوا لك. فلأن يتضع ألف من عليّين أولى من أن يرتفع دنيء واحد.
وقيل لبعضهم: أي علم أضر؟ فقال: ما يفاد الأوغاد. وقيل لأبي سنان: تموت وتدخل علمك معك القبر، فقال: ذاك أحبّ إليّ من أن اجعله في إناء سوء.
ورأى حكيم رجلا يعلم دنيئا علما فقال له: أتسقي سهما ترمى به يوما.
وقال دعبل في أبي تمّام:
إن عابني لم يعب إلا مؤدّبه ... فنفسه عاب لمّا عاب آدابه
وكان كالكلب أضراه مكلبه ... كيما يصيد له فاصطاد كلابه
وقال آخر:
أعلّمه الرماية كلّ يوم ... فلمّا اشتدّ ساعده رماني
وكم علّمته نظم القوافي ... فلمّا قال قافية هجاني
دنيء استفاد علما فازداد به شرا
قال البديهي، وقد أجاد:
إذا ما اقتنى العلم ذو شرة ... تضاعف ما ذمّ من مخبره
وصادف من علمه قوّة ... يصول بها الشرّ في جوهره
وصار عدوّا لإخوانه ... وسيفا حساما على معشره
فضل تعليم الأولاد
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما منح والد والدا أفضل من أدب حسن. وكانت اليونانية تورث الأبناء الأدب والبنات النسب. وقيل من أدب ولده صغيرا قرّت به عينه كبيرا.
وقيل: من أدب ولده أرغم حاسده. حكى أن المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية يقول لهم: ما أشدّ ما مر بكم في هذا الحبس؟ فقالوا ما فقدنا من تأديب أولادنا.
وقيل: لا يحبّ الأب ابنه حتى ينغضه على ترك الأدب.
فضل التعلّم في الصّغر