ولقد ذكر القرآن الكريم أن المؤلفة قلوبهم مصرف من مصارف الزكاة. ثم جاء من الصحابة والأئمة من رأى أن هذا السهم موقوت بحكمة معينة، ومنع هؤلاء المؤلفة حظهم من الزكاة. فهل كان ذلك خروجا على تعاليم القرآن؟ لا. ولكنه البصر الدقيق بحكمة التشريع وأهدافه العظمى. وهو ما نريد أن يفهمه الباحثون في منهج هذا الدين العظيم، وينزلوا على حكمه. ومسألة تقييد الملكيات، لا تهدم نصا، ولا تعطل قاعدة. بل هى ـ في الحقيقة ـ عون فعال لتنفيذ النصوص التى جاء بها الإسلام، وتدعيم للقواعد التى بنى عليها فقهه العريق. وآفة المسلمين ـ في أحيان كثيرة ـ أنهم يتصورون الأمور تصورا ساذجا. فالصورة الأولى للإحسان ـ بل لعلها الصورة القريبة ـ أن تدخل يد في جيب فتخرج مبلغا ما، وتضعه في يد ممتدة تنتظر العطاء!. وهذا الفهم السائد للإحسان، لم يُذهب فقرا، ولم يحارب عيلة، بل جعل الإحسان في بلادنا فوضى مؤسفة. وهذا الأسلوب من الإحسان ينتظر أن يقع الفقر، ثم هو بعدئذ يعالجه. أى أنه يترك البؤس يخط مجراه في الحياة عميقا بعيدا، ثم تتجه الجهود بعد ذلك إلى ردمه. ومثل ذلك، أن نملأ شواطئ النيل بقواقع البلهارسيا وديدانها، ونسوق الأقدام الحافية سوقا إلى دوسها والعمل في مباءتها.. وبعد ذلك، ترصد الألوف المؤلفة، لمحاربة الأمراض المتوطنة!!. لقد قالوا: إن الوقاية خير من العلاج، فهل الإسلام هو الذى يمنع الأمم أن تقى نفسها ضراوة الفقر وعض أنيابه المسمومة؟. هل الإسلام هو الذى يصرف الأمم عن ابتكار الأنظمة والقيود الاقتصادية التى تقتل الفقر قبل أن يولد، وتئد جنينه قبل أن يبرز إلى الحياة ثم يتحول ـ على مر الليالى ـ مارجا من نار؟!.120