وبدأ الانتقاض بفساد الحكم، فرزئ المسلمون بألوان من الافتيات والجبروت يعد بقاء الإسلام معها معجزة. ولولا ما في الإسلام من مناعة ذاتية حصنته وحصنت معتنقيه ضد عوامل الفناء، لذهب وذهبوا هباء منثورا. وفى كل عصر تفور الروح الإسلامية في مشاعر رجال وشعوب، فينهضون ليبسطوا رواقها على المجتمع والدولة. ولكن الحاجة ماسة إلى عمل منظم قوى، يخضع سياسة الحكم وسياسة المال لتعاليم الدين، خضوعا لا فكاك لها منه، مهما اختلفت الأوطان، وتطاولت العصور. ظلمات بعضها فوق بعض:
قد يصاب المرء في عنفوان قوته واشتداد ساعده بأمراض خطيرة، فيكون له من سلامة البدن وتوافر المناعة، ما يحفظه من سطوة الأوجاع الطارئة، وسرعة فتكها. وقد تبقى لهذه الأمراض آثار كامنة، تنتهز أوقات الضعف والعجز فتعاود هجومها وتستأنف فتكها. والدول كالأفراد في هذه الأحوال، قد يعترى الدولة خلل خطير في بعض شئونها، لا تبدو آثاره على عجل، لأن هناك من روافد القوة وعوامل البقاء والنماء، ما يغلب هذه الأسقام العارضة. فإذا تبدلت الأمور، وضعفت أسباب المقاومة، ظهر العوار الخفى، ترادفت أضراره، وتلاحقت أوزاره. وقد تماسك التاريخ الإسلامى في القرن الأول، لما رمى بسيئات الملك العضوض، والحكم الأموى الغاشم، فلم يتحطم كيان الإسلام ولا انهارت دعوته، إذ كان إشراق العقيدة، وعمق الإخلاص، وروح الجهاد، وتوفر جمهور كبير من الصحابة والتابعين على خدمة الدين ـ ولو في ظل الأثرة الباغية ـ كان لذلك أثره في بقاء موجة الفتح، تنداح وتتسع دائرتها، دون أى توقف. وكان العملاق الإسلامى الفارع ـ برغم ما حمل من أثقال الحكام المجرمين ـ قادرا على الضرب في الأرض، وتحرير عشرات من الأمم والشعوب، التى أكلها الكفر والظلم.035