العصاميون والعظاميون سواء:
للغنى والجاه، نشوة تفعل بالرءوس فعل الخمر، عندما تطيش بألباب السكارى، ثم تصور لهم الدنيا أشباحا متراقصة، وحقائق متقطعة، ووقائع لا يمسكها العقل، إلا كما تمسك الماء الغرابيل!. وللأغنياء المتخمين نظرة خاطئة نحو سواد الناس. نظرة تبدأ من القمة التى وضعوا أنفسهم فوقها، وتهبط إلى السفوح التى تزدحم الجماهير عندها. يستوى في هذه النظرة من ورثوا المجد ومن كسبوه!. كلاهما يقول:".. إنما أوتيته على علم عندي...". كما قال"قارون"ردا على قومه، حين حاولوا إيقاظه من نشوته، وإنقاذه من سكرته. العظاميون هؤلاء، ولدوا وولدت معهم الغشاوة الضاربة على عيونهم، لأنهم ـ وهم في المهد ـ كانت ترمقهم العيون بالإجلال، وتناديهم الأفواه بالتدليل، وتحيط بهم الخدم، كما يحيط السدنة بالصنم!. فأنى لهؤلاء ـ إذا كبروا ـ أن يبصروا الحق ويحترموا الخلق؟!. والعصاميون من هؤلاء، ينبتون من صميم الطبقات الكادحة. فإذا نمت دوحتهم، وعظمت شوكتهم، لم يلبث النسيان الذى أدرك أبانا آدم فأخرجه من الجنة، أن يدركهم الآخرين، فإذا بهم يتنكرون لأصلهم القديم.187