فكان هذا أول الوهن.. وعمر الذى يعتقل سادة قريش، ويضيق الخناق على تصرفاتهم المالية لم يكن يفعل ذلك إلا لمصلحة الشعب العليا. هذه المصلحة التى كانت تجعله يطوف ببيوت الفقراء في المدينة، يقرع أبوابها ويسأل النساء: ألكن حاجة؟ أتريد إحداكن أن تشترى شيئا؟ ثم يرسل في حوائجهن يقضيها من الأسواق، ومن لم تجد عندها مالا، اشترى لها من ماله الخاص. وكان يسير خلف البريد إذا أتى من الثغور حيث يرابط المجاهدون، أو إذا جاء من ميادين القتال، ثم يقف بالأبواب قائلا: أزواجكن في سبيل الله، وأنتن في بلد رسول الله. إذا كان عندكن من يقرأ الرسائل.. وإلا فاقتربن من الأبواب حتى أقرأ لكن!. وهكذا استطاع عمر أن يأخذ من الروابى الشماء، ويضع في الشقوق الغائرة، فأعلى الوهاد، ووطأ النجاد، وأعادها طريقا مستوية، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. سارت فيها مواكب الإسلام سيرا حثيثا إلى النصر والكرامة، فلم تجد أمامها عقبة ولا عائقا...!
رجل زاهد في بيئة مترفة:
أما"عمر بن عبد العزيز"، فقد كان نسيجا وحده، في دولة لعب ملوكها بالمثل الإسلامية العليا في السياسة والاقتصاد، فما إن تولى الحكم حتى حمل عن أسلافه أعباء ثقالا، وأعانه الله على النهوض بها. فجدد للناس سيرة سميه الأول"عمر"، إذ اقتفى أثره وأخذ بسببه واتصل بنسبه، وكان ـ بحق ـ الخليفة الراشد الخامس، في تاريخ الإسلام. إن"عمر بن الخطاب"جاء بعد"أبى بكر"، عدلا بعد عدل، ونورا على نور. كتب"أبو بكر"مقدمة رائعة لأساليب الحكم الصحيح، ورسم اتجاهاته فجاء"عمر"يبنى على أساس سليم، ويستكمل الفصول الطويلة في هذا الكتاب المشرق.096