فإن سر الفساد العريض المتغلغل هنا وهناك، يرجع إلى جعل المناصب الخطيرة والوظائف الصغيرة، فرصا ينتهبها المحسوبون والمنسوبون، كأن الأمة خلت إلا من دمائهم المريضة!. وإسناد العمل إلى من لا يستحقه فساد مزدوج، فيه تضييع للمصلحة العامة وتهديد لمقدرة البلاد على السير والإنتاج. وفيه استهانة بالأكفاء من المواطنين الصالحين، تترك في نفوسهم آثارا سيئة من الغضب والموجدة على دولة لا ترعاهم ولا تحترمهم. وأصحاب الشهوات والمآرب في إبقاء تلك الأحوال، مجرمون في حق الدين والوطن، لا يستكثر عليهم حبل المشنقة ولا سكين المقصلة.
من الأنباء التى لها دلالتها العميقة، ما قرأناه عن مستر"ترومان"رئيس الولايات المتحدة ، أنه في سبيل دعايته لنفسه كيما ينجح في انتخاب الرياسة الأخيرة دعا رجال الصحافة إلى زيارة بيته، ليروا بأعينهم ما تعانيه امرأته ـ باعتبارها ربة بيت ـ في مواجهة أزمة الغلاء العامة. أى أن الرجل وامرأته ـ على عظمة منصبيهما ـ لا يزيدان في معيشتهما عن المستوى المعتاد للرجال والنساء في أمريكا!. وما قرأناه كذلك من أن القصر الملكى بإنجلترا، تقدم إلى وزارة التموين طالبا بعض المواد والمرافق التى يحتاجها، فأخذ طلبه الدور الذى يستحقه على حسب الترتيب التاريخى للطلبات السابقة واللاحقة التى تقدم بها بعض أفراد الشعب. ومع أننا نكره إنجلترا وأمريكا، ونذكر ـ في حرارة ـ موقفهما الظالم من حقوقنا العادلة، وعدوانهما الخسيس على بلادنا وقضايانا، فإننا مضطرون إلى ذكر هذه الأمثلة، ليشعر الأغبياء هنا ببعض أسباب القوة التى ترتكز عليها هذه الأمم القوية، سواء دافعت عن نفسها، أم هاجمت غيرها.076