أقبل العامة ـ بقيادة المتصوفين ـ على الطقوس والأوراد، وأقبل الحكام ومن في حواشيهم وركابهم، على الشهوات والملذات!. وهذا الخلط الصوفى الأحمق، يعتبر أول صدع أصاب التفكير الإسلامى في صميمه، بل أول تصدع أصاب كيان الأمة الإسلامية ـ فيما بعد ـ بالانهيار. فأفكار الصوفية ـ إذا لا مبادئ الإسلام ـ هى التى حملت الجماهير أوزار الاستعمار الداخلى، ووطدت للمظالم الخطيرة، وخذلت الناس عن محاربة الفقر، وقتلت في دمائهم الشعور بأن الفقر كارثة، يجب أن تقصى عن المجتمع ولو بدق العنق، وأن يستميتوا في دفع بلائها بأى ثمن.
قد يقال: بل إن طبيعة الدين هى التى تربط قلوب الناس بالحياة الآخرة، وتجعلهم يعيشون في الدنيا مصروفين عنها، قليلى الاكتراث بما يصيبهم فيها من بؤس وضيق. والرد على هذا الكلام هين، ونحن مضطرون إلى الخوض فيه، وإن تشعب علينا موضوع البحث، لأن كل نظام اقتصادى، تصحبه فلسفة نفسية واضحة عند ذويه. فإذا لم تستند الاشتراكية الإسلامية إلى فكرة علمية صادقة أصبحت بناء لا دعامة له. إن الدنيا ـ بمقوماتها المادية الهائلة ـ سلاح خطير نفاذ، والسلاح في أيدى اللصوص وسيلة فعالة لتعكير الأمن، وارتكاب الجريمة، وإشاعة الفساد. فهل هو كذلك في أيدى رجال الشرطة وحماة الحق، والمدافعين عن الأوطان والعقائد؟ كلا، بل هو جزء متمم لعملهم الشريف، لا نجاح لهم بغيره. المتدينون، إن فقدوا هذا السلاح، فكيف يؤدون رسالتهم في الحياة أم كيف يتماسك كيانهم فيها؟!. ففهم الدنيا بل الهيمنة عليها والتفوق في شئونها، أمر لابد منه لأهل الدين. والفرق واضح بين الرجل يتخذ الدنيا وسيلة لغاية كريمة، وبين آخر يتخذها غاية الغايات، وإن لم يكن هناك فرق بين الرجلين في العلم بالدنيا والعمل فيها. ومن ثم فالقول بأن الدين يصرف الناس عن الدنيا إشاعة كاذبة.058