ويقول الآخر ـ يريح نفسه من عناء الفكر والعمل ـ: والعيش خير في ظلال الحمق ممن عاش كدًّا ويقول الآخر ـ معتذرا عن إخفاق النشيط ونجاح القاعد ـ: قد يُقترُ الجود التقى ويُكثِرُ الحمق الأثيمُ! يُملى لذاك ويُبتلى هذا. فأيهما المضيم؟ ويعلل الآخر هذه النتائج المحزنة، المضيعة لثمرات الجهد الإنسانى فيقول: ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ويُكدى الفتى في دهره وهو عالم! ولو كانت الأرزاق تجرى على الحِجا هلكن إذا من جهلهن البهائم! وأخيرا تلقى التبعة في هذا التفاوت الأليم على الأقدار القاهرة فيقول الشاعر: متى ما يرى الناس الغنى وجاره فقير. يقولوا: عاجز وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ولكن أحاظ قُسمت وجُدود! وهكذا يتخلص الناس من عناء الاعتراض على النظم الفاسدة، والأوضاع الجائرة والأحكام المستبدة، والخلل الاقتصادى، وانتشار الزلفى والمحسوبية والمظالم، يتخلصون من الاعتراض على هذا كله، باتهام القدر الأعلى.!
وشيوع هذه القالة يحدث تخريبا واسع النطاق في دعائم نهضتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية، فضلا عن أنه تخرُّص على القدر، بسند التهمة الباطلة التى تزعم أن الدين مخدر للشعوب. إن تعاليم الدين تقوم على أساس ـ لا مكان للمراء حوله ـ هو حرية الإرادة فيما تفعل وتترك. فكل امرئ يعطى من الله الاختيار المطلق، الذى يتوجه به ـ إن أحب ـ نحو الفضيلة أو الرذيلة، نحو الخير أو الشر. (و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر...) 054