فإذا رأينا ذكاء أخره الإهمال، وغباء قدمته المحاباة، أو قاعدا ينال الخير، وعاملا أعوزه القوت القليل! فمن الإجرام والفحش أن نقول ـ في تبرير هذه الأوضاع المقلوبة ـ:".. يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر".!! فإن هذا كقول سفهاء العامة ـ عندما يجدون رجلا يرتكب معصية ـ:"يضل من يشاء ويهدى من يشاء..."!!. أو كقولهم:"لو شاء الله ما فعلوه"، أو كقولهم:"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن". وغير ذلك من الكلمات التى يريدون ـ بسوقها ـ هدم قاعدة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وترك الناس فوضى تصرفهم الشهوات والنزوات.!! بل الواجب الذى أمر به الدين، أن نضرب على أيدى الظالمين، وأن نعترض على كل تصرف شائن. فإن انتصر الحق، فبها، وإلا فإن الباطل، إن بقى بعد ذلك، بقى مكشوف السوءة، مزريا عليه، فلن يحسب أحد بقاءه مرضيا لرب العالمين، كما ترمى إلى ذلك أوهام المرجفين. فإذا تبع بسط الرزق وقبضه سعة المواهب وضيقها، أو خضع الأمر لقوانين الصدف الخارقة، التى لا دخل لنا في صنعها، فلا علينا ـ بعد أن أفرغنا جهدنا في تحقيق العدالة التامة ـ أن يتفاوت الناس إقتارا وإكثارا، ما دامت سنن الحياة الصارمة، أن يكونوا ـ في جهودهم وإنتاجهم ـ صغارا وكبارا. وذلك هو القدر الذى نقف عنده هادئين.
كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس، أو ترضيهم بالدون من المعيشة، أو تقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنية، فهى دعوة فاجرة، يراد بها التمكين للظلم الاجتماعى، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد. وهى ـ قبل ذلك كله ـ كذب على الإسلام، وافتراء على الله.0ص