فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 182

ولو انهدم هذا الأساس، ما كان هناك معنى لتكليف الناس بشىء قط، ولكانت رسالات الأنبياء عبثا لا طائل تحته، ولقال أى إنسان لله ـ يوم البعث والحساب ـ: لم النقاش في أمر أكرهت على فعله أو تركه؟!. غير أن شيئا من هذا لن يكون، لأن الإرادة الإنسانية مكفولة الحرية تجاه ما تخاطب به: (..لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل..) وكل ما ورد من الآيات الأخرى ـ موهما في ظاهره غير ذلك ـ فقد جاء في سياقات خاصة، ومناسبات لا يعدوها. وعموم المشيئة الإلهية مثلا في قول:ه".. يضل من يشاء ويهدي من يشاء.."لا يخدش هذه الحقيقة، ولا يجعلنا نفرط ـ قيد شعرة ـ في شئون التعليم والتربية، وفى إثابة النابغين ومعاقبة المجرمين، وفى تحميل الإرادة البشرية مسئولية ما تقترف من حسنات أو سيئات. كذلك قوله تعالى:".. يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.."لا يعنى ـ البتة ـ تحطيم الإرادة الإنسانية، أو تقييد اتجاهاتها في السعى إلى الغنى، والفرار من الفقر!. وإقحام القدر في هذه النواحى الاقتصادية ـ كإقحامه في شئون الطاعات والمعاصى ـ مردود في وجوه أصحابه، ولا يعتبر دليلا لأحد أبدا. بل علينا أن نسخر أقصى ما نملك من قدرة، في إحسان التوزيع الاقتصادى، ورفع مستوى المعيشة وردم مصادر البؤس، وإهلاك جالبيه على جمهور الأمة. إن أحدا لم يقل: بأن في الوعظ والإرشاد والتعليم والتربية تحديا لله سبحانه في قول:ه".. يضل من يشاء ويهدي من يشاء.."فلماذا يحسب العمل على إنصاف الطبقات، وتجنيبها غوائل الفقر تحديا لله القائل:"..يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"؟!. إن إقامة صروح العدل الاجتماعى في بلد مختل، كإقامة قواعد الأدب في مجتمع منحل، كلاهما عمل يطالب به الدين، وليس فيه تخط ولا تَعَدٍ على الأقدار.055

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت