فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 182

كما نأسف، لأنها ـ لما عجزت عن التسامى بالغرائز السفلى ـ استنامت لها، وهامت فيها، وقررت إطلاق زمامها، لتُعربد كيف تشاء. وعندى ـ أن هذا الارتكاس الروحانى، يُفوِّت ثمرات التقدم العلمى كلها، فخير للناس أن يمشوا على الأرض وهم أطهار، من أن يطيروا في الجو وهم لصوص. وخير للأرض أن تكون معابد مضاءة بالشموع، من أن تكون مراقص مضاءة بالكهرباء.

على أى أنقاض قامت المادية الحديثة :

إن المادية القائمة على نوازع الأثرة وقوانين المنفعة، وانتهاز اللذائذ واشترائها بأى ثمن، قد كسبت المعركة ضد الأديان، دون أن تجد أمامها مقاومة تذكر. ونعنى بالأديان ما كان له أصل محترم من وحى السماء. أما ما يسود الهند والصين واليابان وغيرها، من وثنيات أخذت سَمْتَ الدين وصيغته، فهى أفكار وعواطف أرضية، لا مكان هنا لمحاسبتها. وإنما نعرض لليهودية والمسيحية.. ثم نتكلم عن الإسلام. ولما كان التقدم العلمى والاتجاه المادى، قد طفر طفرته الكبرى في الغرب، حيث توجد اليهودية وتسود المسيحية. ولما كان الإسلام في هذه الفترة محسورا في بلاده، بين همل لا يدركون شيئا، ولا يحسنون عملا، بل كان شائه الحقائق، طامس المعالم راكد التيار.. فقد انفردت المادية بالديانتين القديمتين فافترستهما، ونظرت في شرق الأرض وغربها، فلم تسمع صوتا يتحداها. فظنت أن الأمر قد استتب لها ولم تحسب في الإسلام قوة يستطيع بها البقاء، بَلْهَ زيادة من قوة يستطيع بها المغالبة والنجاح. إذ كانت جماهير المسلمين أشبه بالغيوم الكثيفة، حول شمس الإسلام، تميت شعاعه، وترد نهاره ظلاما طويلا. من اليسير أن ندرك، لماذا انهزمت اليهودية والنصرانية أمام الغزو المادى؟ فإن اليهودية فقدت عناصرها المقومة لها، باعتبارها دينا يُنعش الأفئدة، ويشرق على النفوس بالحنان والرحمة، ويرطب من جفاف المعاملات والأنظمة الأولية، التى تقوم بين الناس.027

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت