إن الصلة بين صديقين تتعرض لقطيعة باتة، لو نزلت بأحدهما مصيبة، ثم لم يقم الآخر بواجبه تلقاءها. وهؤلاء الأغنياء الذين أثروا من جيوب الشعب وانتفخوا على مسغبته، يشاهدون النوائب الطامة تنزل به، وألوان البأساء والضراء تتساقط عليه، فلا تزيدهم هذه الأحزان المترادفة، إلا كزازة يد، وقسوة قلب. وكلما هبطت عليه كارثة، رأيت هؤلاء في أبراجهم السامقة يمطون شفاههم ويهزون أكتافهم، كأن الأمر لا يعنيهم في قليل أو كثير... فأى مودة تبقى في قلوب الشعب، لأولئك الذين سرقوه أولا.. وقتلوه أخيرا؟!. عندما كانت أوبئة الحمى تهز القوى هزا عنيفا، كما تهز الرياح الهوج أشجار الخريف، وعندما كان الفتيان الساهمون والفتيات العجاف، يتساقطون كالأوراق الجافة، بحث الوطن عن أصحاب الخزائن المليئة ليؤدوا واجبهم، فلم يسمع لهم ركزا.. ومر وباء"الجامبيا"، وتبعه وباء"الحمى"الراجعة، وتبعهما وباء"الكوليرا". وبلغ من خساسة الدوافع، التى كان أصحاب الأقلام يحركون بها مشاعر هؤلاء الناس، أن قالوا لهم: إذا لم تساهموا في محاربة هذه الأمراض الفتاكة، انتقلت عدواها إليكم، فهيا فأنفقوا لتدفعوا عن أنفسكم: (...ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) ومع ذلك، فقد ظل أغنياؤنا على موقفهم، لا تنبع من قلوبهم رحمة، على حين يجود أغنياء أوروبا وأمريكا بأضخم الثروات، ويقفونها في سماحة رائعة على الملاجئ والمستشفيات، ومعاهد العلم ودور الجماعات. حتى أن الحكومات هناك، لا تجعل العناية بهذه النواحى الهامة عملا رسميا، إذ إن أريحية الموسرين تعهدته من بدايته، وجعلته عملا شعبيا ناجحا. وعندما تحركت جيوش الصهيونية، تبغى الاستيلاء على الأرض المقدسة، كانت أموال اليهود تتدفق من خلفها سيولا، ليس لمدها جزر.123