أجل إنهم لا يُسألون عن ذنوبهم، لأن إجابتهم المحتملة حاضرة لدى كل سؤال. وهذا النوع من الجرائم ـ جرائم الكبر والغطرسة والإفساد ـ يستند إلى وجهة نظر ثابتة أبدا عند مقترفيه. إنهم مستكبرون في أنفسهم، محتقرون لغيرهم، لأنهم في قمة الحياة وغيرهم في سهولها. ولأنهم سعدوا في الدنيا باستحقاق ذاتى موهوب، وغيرهم شقى فيها لأنه أهل لذلك ولما دونه. وَرَدُّ هؤلاء إلى الصواب، لا يكون إلا بالخسف والمسخ والعذاب. ألوان النزعات الاجتماعية:
وفى الأمة التى ظهر بها"قارون"، نجد أخلاطا من الناس، يمتاز كل خليط منها بوضعه وفلسفته وأحواله. وهناك أعوان الظلم، الذين يتملقون أربابه ويعيشون في ركابه، يعيشون حواشى للجبارين، يزينون لهم المقابح، ويرتكبون معهم الفضائح. وهناك أنصار العدل الاجتماعى، وحماة الوحى الإلهى، الذين يستنكرون المظالم ويجتهدون في مكافحة الطغيان، ويضعون على طرق الشر معالم الخطر حمراء، ويصيحون"بقارون"وغير:ه (ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) وهناك العبيد الذين تسقط القوارع على رءوسهم، فلا يستيقظون، ويتخذ الكبراء من شعورهم حبالا، ومن جلودهم نعالا. وهم ـ مع ذلك ـ بالدون راضون، يحصدهم الموت وهم في خدمة السادة أبدا، فتتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم. وهناك قوم أمرهم عجب، يقتربون من بعض هذه الطوائف وليسوا منها.190