فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 182

وما دفع عامة المسلمين إلى هذا الفهم المعوج، إلا أنهم لم يجدوا من أغنيائهم إلا كل شر. ولا شك أن تاريخ أغنياء الشرق وكبرائه، فجلل بالسواد، وقديما قال فيهم"المعرى": فشأن ملوكهم عزف ونزف وأصحاب الأمور جباة خرج وهمُّ زعيمهم إنهاب مال حرام النهب أو إحلال فرج فوقع في أوهام الجماهير البائسة، أن الغنى والفسق قرينان، وأن الفقر والعفاف متلازمان، وذلك خطأ. فكم قرأنا وسمعنا في هذا العصر عن حكام مستعفين، ورؤساء معتدلين، وكبراء لهم سطوة الملك، وجاهه العريض. ومع ذلك تستطيع أن تقول: إن الدنيا تعتبر لهم سجنا، لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم وإرضائها بل عاشوا لأممهم وإعلائها. وكل حديث ورد، يزهد ظاهره في الدنيا، فإن له ملابساته التى لا يتجاوز حدودها. والتى يُقصد بها ـ غالبا ـ لفت المؤمن عن الاشتغال بشهواتها الحرام، أو التعلق بها على أنها يوم لا غد بعده، وحاضر لا مستقبل وراءه. فإن الدين يجب أن يكرر على الناس ذكر الآخرة وألا يسأم من هذا التكرار. ذلك لأنها غيب مرتقب، قد يذهل عنه المرء، وقد تنصرف عنه الطبيعة العجول. أو ليس ذلك ما حدث فعلا لأغلب الناس؟!.

مصائب الفاقة ومتاعب الجهاد :

وتوجد في الدين وفى الحياة أمور متشابهة، ومعادن متقاربة، لا معنى للخلط بينها، عند إصدار الحكم عليها. فالأمر بالصبر، ليس أمرا بالذل، والأمر بالتواضع، ليس أمرا بالضعة. والحد الفاصل بين الحالتين دقيق، ولكنه قائم ثابت!. والنهى عن الكبر، ليس نهيا عن عزة النفس، والنهى عن الترف، ليس نهيا عن الاستغناء، والاستكفاء، فهذا وضع، وذاك وضع آخر!.060

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت