وإلا فهى صرخة الوجل أفلتت من حناجر الطغاة.! والخبث لا يُذهبه الخبث، وإنما نغسل الأنجاس والأقذار بسيل من الماء، أو فيض من وحى السماء. ولا علينا أن يقول الكبراء المنافقون: هذا الصيب من السماء، فيه ظلمات ورعد وبرق، فهو إلى جانب ذلك غيث تمرع به الحياة، وتزهر به الأرض..
من الدلائل التى سقناها آنفا، تعرف أن الإسلام يقر مبدأ تقييد الملكية ولا يرى بأسا في استخدامه، لعلاج الاضطراب الاقتصادى، الذى شاع في مصر وغيرها من أقطار الشرق الإسلامى. لكن دعاة الرأسمالية، لا يعدمون نصا يتعلقون بظاهره، ثم يبنون عليه ترك الأموال طليقة، مهما نشأ عن تضخمها من أخطار، ومهما لابس هذا التضخم من أحوال مريبة. أحوال تبدأ من بذرته التى تكون منها، وتنتهى إلى مصارفه التى يقع فيها، وهى أحوال من السفه ألا تعرف رأى الدين فيها. وأول حجة لهؤلاء، أن المال مادام قد خرجت منه زكاته، فقد فرغ منه حق الله، وطاب منه ما بقى لصاحبه، ولو كان ألوف الأفدنة وملايين الجنيهات، ويستدلون على هذا بالآية: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وبالحديث:"كل ما أديت زكاته فليس بكنز". ولا شك أن هذا الدليل، هو الصورة السائدة للتفكير الشرعى في هذه الأيام. وسنرى مبلغ قرب هذا التفكير أو بعده، من حقيقة الإسلام الحنيف. نبدأ أولا فنقول: إن إخراج الزكاة عن الإقطاعات الزراعية، وما تكون على غرارها من الشركات المالية، لا قيمة له. فقد جاء في الحديث:"من اكتسب مالا من مأثم، فوصل به رحمه، أو تصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع ذلك كله فقذف به في جهنم"115