فما شكا المحاربون من أجل حرية إسرائيل عوزا، ولا تسولوا في كفاحهم الجائر درهما، إذ كانت حاجاتهم مكفولة، ومطالبهم مبذولة. أما المجاهدون الأحرار، فقد انبعثوا من صميم الطبقات الفقيرة، وجمعت لهم الإعانات قروشا تافهة، من العمال والفلاحين، أو من التجار والموظفين. ولولا أن الحكومات تداركت الأمر، ورصدت من ميزانيتها شيئا يسيرا، إذا لانكشف هذا الجهاد المرير، عن فضيحة مخزية وسوءة بادية، ليس لها من علة إلا بخل أغنيائنا ، ونكوصهم على أعقابهم، كلما قيل: بذل أو جهاد. هؤلاء هم الذين أقسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على خسراهم:"هم الأخسرون ورب الكعبة"فلما سئل من هم؟ قال:"الأكثرون أموالا... إلا من قال هكذا وهكذا .. من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله ـ وقليل ما هم". لقد كانوا قليلا، أولئك الذين يبعثرون أموالهم في كل ناحية من نواحى الخير كما يطلب الحديث ـ أما الآن فلا نجد منهم أحدا . بل إننا نقرأ الحديث الآخر:"إياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا". نقرأ هذا الحديث المنبئ عن مصير الهالكين وأوصافهم، فلا نجد فيه إلا صورة ناطقة بملامح أغنيائنا وأحوالهم، حذوك النعل بالنعل. أفبعد هذا، يمارى في تقييد الملكيات مسلم فقيه..؟؟.
وقد أسلفنا القول أنه ـ حول الملكيات المطلقة ـ تتكون عصبيات جاهلية متغطرسة، تلتف حول ملاكها: لا كما تلتف خيوط الحرير حول دودة القز، أو كما تلتف طوائف النحل حول خلايا العسل.. لا.. لا.. بل كما تتجمع الزنابير ذات الحمات اللاسعة في أعشاشها المؤذية، فلا ينجو الناس منها إلا إذا حرقوها بالنار، أو لاذوا من وجهها بالفرار.124