أما قبل ذلك، فالحرية الفكرية حديث خرافة، يدخل بها محترفو السياسة الحزبية..! وقد يقال: إن كثيرا من العبيد تمردوا على سادتهم، ولم يكن للإسار المادى شأن في تعويقهم عن اعتناق ما يرون من فكر. ولدينا"بلال"و"صهيب"وغيرهم، شاهد صدق على ذلك!. ونحن لا ننكر أن هناك نفرا قلائل ممن استعبدوا ماديا، لم يستطع سادتهم استعبادهم معنويا، ولكن لا تؤسس عليهم قاعدة. وفى كل ألف رجل قد يوجد مثل"بلال"، فهل نترك الباقين ـ ماديا ومعنويا ـ صرعى الأغلال؟!.
وتلك آفة أخرى تتبع سابقتها، فإن الإنسان المحرر ماديا وأدبيا، هو وحده الذى يصدر في أعماله، عن مبدأ ثابت، ويتجه في سلوكه إلى فكرة واضحة، وهو وحده الذى يخدم المثل العليا، ويبتعد في تصرفاته عن مواطن الملق والزلفى والصغار. أما الذين تغلب على طبائعهم أخلاق العبيد، فهم يهدأون ويتحركون مرضاة للأشخاص، وهم يجتهدون للالتحاق بركب من ركاب السادة، أصحاب الثروة والسطوة، يعملون لهم ويعيشون في دائرتهم، ويندفعون أبدا مع تيارهم. لا يعرف هؤلاء إخلاصا لله أو تضحية في سبيله، ولا تقديرا للحق أو احتراما لرجاله.!! وإذا كان شرف النفس الإنسانية أن تعتنق هدفا نبيلا ثم تفتديه.. فإن أولئك عبيد الأصنام الحية من البشر!. وإنك لواجد أمثلة يتفاوت قبحها هناك وهناك، في الدواوين والتفاتيش، والأحزاب والهيئات، لأقوام يحسنون رفع العقائر بالهتاف النابى، ويتفننون في التقرب والهوان والمراءاة، للسادة الرؤساء!!. شاعت هذه الظاهرة في الشرق، الشرق. أرض الأبعاديات والإقطاعيات والمهراجات والباشوات، وقلت في الغرب، إذ تقاربت حظوظ الناس المادية فتقاربت معها حقوقهم، وكادت تتساوى أقدارهم.067