أما ولهذه الشرور في نفوسهم مرخ خصب، فستضيق عليهم الأرض بما رحبت، وستجد في الجرى وراء الرزق وجوها كالحة، وأسارير مقطبة، وعيونا غائرة، ونفوسا حطمها الفشل، وأبدانا أهزلها الضياع. ذلك كله؟ لأن معركة الخبز الخالدة تدور رحاها على غير نظام متبع أو قاعدة مرعية. وليس لفرسانها تقاليد حربية محترمة، عدا القتل والأسر، والويل للمغلوب، وقد نسمع أحيانا همهمة خافتة، هى بقية من تعاليم السماء في الحلال والحرام، والرحمة والإيثار. على أن هذه الأصوات النبيلة، لا يسمح لها بالارتفاع، إلا بعدما تضع الحرب ـ في معركة الخبز ـ أوزارها، ويستقر الأمر على أغنياء ملكوا الكثير، وفقراء لا يعترفون بالهزيمة إلا خضوعا للأمر الواقع ولا معنى لتدين يقف على الحياد في هذا العراك. وقد ذكرنا في كتبنا الأخرى، رأى الإسلام في هذا الكفاح الطويل، وفى نتائجه السيئة. ونريد الآن أن نلفت النظر إلى أن الأخوة التى أمر الإسلام بها، بين الناس عامة، وبين المؤمنين خاصة، لن يكون لها وجود البتة، في الأحوال التى يختل فيها التوازن المادى، اختلالا فاضحا بين بعض البشر وبعضهم الأخر. وقد ذكر القرآن الكريم أمثلة واضحة لآثار هذا الاختلال الشائن، مع ما يصحبها من فساد، نورد أطرافا منها.
موضع الشخص المحتاج، يجىء دائما دون موضع الشخص المحتاج إليه، هذا يده السفلى، وذاك يده العليا، هذا خطوته المتأخرة، وذاك خطوته المتقدمة، والمرء عندما يعرف أن قوته وقوت عياله مربوط بشخص ما، فهو يخضع له طوعا أو كرها. بل الذى يحدث غالبا أن ينماع أمامه، وتذوب نفسيته، وتتلاشى شخصيته، ويرى أنه تابع فحسب.065