إن الظلم نوعان: ظلم الإنسان لنفسه، وظلمه لغيره. وكثيرا ما يكون النوع الأول، عاملا ممهدا لوقوع النوع الثانى. فالذى يقبل الذل والانحناء، يغرى الآخرين بالبغى والاعتداء!. وقلما يقع العدوان على ذى أنفة وحمية، فإن الباغى يعرف أن خسائره من وراء ذلك العدوان، أضعاف أرباحه، إن كان هناك ربح يجتنى في مثل هذه المعركة. وقلما تتحرك الجيوش للهجوم، إلا على أمة يرجى منها أن تسلم وتلين، ولذلك كثرت حروب الاستعمار في الشرق وحده، وصدق القائل: أنصفت مظلوما فأنصف ظالما في ذلة المظلوم عذر الظالم! من يرض عدوانا عليه يضيره شر من العادى عليه الغاشم وسواء كان شرا منه أو دونه فهو ظالم لنفسه. وسياق الآية هنا يؤكد هذا المعنى، ويحفل الأم النائمة على المظالم أوزار ما تقاسى وتعانى.
وجرثومة الذل كجرثومة الوباء، تنتشر عدواها انتشار النار في الهشيم، حتى تخامر كل شىء. فمظالم الاحتلال الخارجى، تسندها مظاهر الانقسام الداخلى. وهذا الانقسام يتورع الأمة طبقات متنافرة، يعلو بعضها بالجاه، ويهبط بعضها بالفقر، وعندما يكون للرجل قوة ألف ثور يملكها، وألف حصان يركبها، وألف فدان يستغلها، فقد ترشح للزعامة، وكان حقا أن تعنو له الجباه، وأن يشار إليه بالبنان!!. وساد هذا التفكير المريض في الأمة المستضعفة. فجاء سراتها يقولون للرجل الذى ساقته العناية لإنقاذهم: لقد عزمنا على الجهاد من أجل حريتنا المفقودة، فاختر لنا القائد الذى يلم شملنا، ويركز قوتنا، ويكسر بنا عدونا!.180