فقال لهم الرجل الملهم: ما دمتم قد صدقتم العزم، فقد سنحت لكم الفرصة، وقد هيأت لكم الأقدار أكفأ رجل يحقق لكم أهدافكم، واشرأبت الأعناق لترى القائد الكبير، فإذا بهم يرون"طالوت"! ومن"طالوت"هذا؟ لقد عرفوه رجلا لا يملك من حطام الدنيا، إلا عقلا ذكيا، وجسما قويا، ويقال: إن له مواهب عالية!. وما قيمة هذه المواهب، إلى جانب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، عند فلان وفلان، ممن يجلون ويقدسون؟!. ورمت أنوفهم أن تخضع لزعيم من أبناء الشعب، وهم الذين طالما مرغت أنوفهم في التراب، خضوعا للزعماء الأجانب!. وأبى الله إلا أن يكرههم على الحق، وأن يرغمهم على احترام المواهب وحدها: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) فى ميزان الحقائق يرجع الناس بالكفايات والأعمال، لا بالوجاهات والأموال، وهذا منطق عادل. غير أن دون تطبيقه عوائق كثيرة من طبائع الناس أنفسهم، ومن طبائع الأحوال الاجتماعية التى يعيشون فيها ولذلك قلما يرجع إليه الناس. فإن العيون المجردة يأخذها منظر الهامة والقامة. وقد ينضم الذكاء القليل، إلى مظاهر الوسامة والفخامة، فيجعلك تطرق هيبة، ويجعل من العسير عليك أن تحرك لسانك ببيت الشاعر الجرىء: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير وهذا البيت الحكيم لم يبلغ"فرعون"، ولعله لو بلغه لاتهم قائله بالنحافة والضعف!. فإن فرعون ـ قبحه الله ـ كفر بموسى، لأن موسى لم يدخل عليه في زينة الملوك، وأبهة المترفين.181