فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 182

و أى تجاهل لأحوال الأعم المحرومة من العدالة الاجتماعية، أو تهوين لآثار الضيم النازل بها، أو تسكين للثوائر المهتاجة فيها، فهو دليل على أحد أمرين: خبال في العقل، أو نفاق في القلب. وكلا الأمرين، له منزلته الحقيرة من دين الله، ومن دنيا الناس، فلا يلتفت إليه. إذا كان هناك من لا يفرطون في العمل المضنى ساعة من نهار، ومع ذلك تأخذ الأزمات بخناقهم من المهد إلى اللحد، ويحيون، وتحيا أسرهم في حرمان متلاحق من القوت والعلم، والعدالة والحرية. فإذا أصابهم شيء من ذلك كان غيضا من الفيض الذى ينزل في بيوت لم تُقدم للدنيا عملا، ولم تكسب في دينها خيرا. فهل التبرم بهذه الحالات المتناقضة يعد شغبا على الدين؟ أو هو رغبة في تطبيق قول الله- عز وجل-: (..ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) لا ريب أن سلب الألوف العاملة، ثمرات كفاحهم ظلم، وأن تحويل هذه الثمار إلى القاعدين، إعانة على الفساد، وأن هذا وذاك عمل على ضياع الإيمان وفقدان العدالة. على أن ترضية الناس بالأمر الواقع، وترغيب الجماهير في حياة الكفاف والمسكنة، وحجب أبصارهم عما يجرى في أفنية المترفين من نعمة ومتعة، كان العمل الذى تطوع للقيام به طوائف المتصوفين، فرغبوا الناس في الفقر وزهدوهم في الدنيا.!! وكان هذا المسلك الطائش يجرى على هوى الطبقات الحاكمة.!! فما دامت الحقول تهتز بالزراعة، والأسواق تمتلئ بالحركة وأنواع الخراج، والمكوس تجبى من هنا وهناك، فلا على هؤلاء الحكام أن يزهد العامة فيما بأيديهم، كله أو جله، بل إن ذلك أدنى إلى طمأنينتهم. ومن ثم انتشرت طرق المتصوفة، وقيل في تاريخها: إنها كانت رد فعل لترف الحكام وأتباعهم، فأقبل هؤلاء على الدين، لما أقبل أولئك على الدنيا.!057

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت