ونحن لا نطالب الناس بهذا الإيثار العالى، إذ كيف نطلب الفضل ممن فاته العدل، أو نطلب التكرم والسماحة، ممن يضن بالحقوق أن يدفعها؟. إننا نطلب من الناس أخوة تورع عليهم السراء والضراء بالقسطاس المستقيم. أخوة تعطى كل ذى فضل فضله، وكل ذى حق حقه، وذلك ما يعز في هذه الأيام وجوده.!! ولكى يوجد يجب أن نخلع أسنان الطبقات المفترسة، حتى نمنعها من القضم، وأن نروض جماحها، حتى لا تعاود ما اقترفته من إثم، وأن نصحح أفكار العامة والخاصة، حتى لا يبغى أحد على أحد، وحتى يعود الجميع عباد الله إخوانا. أما المجتمع المشحون بالمحرومين والمظلومين، المنكوب بالطغاة والجبارين، فهيهات أن تتحقق بين بنيه أخوة. وأية أخوة تنعقد بين الظالم والمظلوم، والطاعم والمحروم؟!. ولو أن ما نرى من فقر نتيجة قعود الكسالى ما ارتفع صوت أبدا بإطعام كسلان.! لكن المزعج أن نرى ذل الاحتياج على جبين يتصبب عرقا، ويتلوث غبارا، وأن نلمح الأيدى المختبئة في القفازات، تلهو بالذهب والفضة، وقد نجمت عن ذلك مبادئ وأفكار وتصورات كريبة. وشاع لدينا ـ نحن الشرقيين ـ أن الذكاء باب إلى النحس، وأن الغباء باب إلى الثراء، وأن الدنيا ـ كما يقول العامة ـ تعطى الحلية من ليست له آذان. وكثر في الشعر العربى ترديد هذه الأوهام. لما رأيت الحظ حظ الجاهل ولم أر المحروم غير العاقل شربتُ عشرا من كروم"بابل"فصرت من عقلى على مراحل.!! وهكذا تخلص الشاعر من عقله الذى يسبب نحسه!.053