فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 182

والحقيقة: أن الجماهير التى هتفت بالمساواة، وصرخت تطلبها، لم يدر في خلدها قط أن تسوى بين خائن وأمين، أو بين كسول ونشيط، أو بين ذكى وغبى. إنما أرادت أن تسوى بين الخائن والخائن في العقاب، وبين الأمين والأمين في الثواب، وبين الكسول والكسول في المنزلة، والنشيط والنشيط في فرص الربح وأسباب التقدم وهكذا... وهذه المساواة العادلة غير متحققة في ظلام النظم المستبدة والجور الاجتماعى. إذ قد يقفز الغبى لعوامل مصطنعة إلى الأمام، على حيزا يدفع بالذكى إلى مؤخرة الصفوف، أو يتساوى الرجلان مقدرة وكفاية، ثم تفتح الأبواب وتزاح السدود أمام أحدهما، ويبقى الآخر حائرا لا يدرى ماذا يصنع، لأن هذا غنى وذاك فقير مثلا!. وتشريع النظم التى تقر المساواة التامة، بين أبناء الأمة، أمر لابد منه. ومازلنا في الشرق نسعى إليه بخطوات عرجاء. ونحن ـ لا شك ـ نحقق العدالة في أعظم صورها، ونتمشى مع مبدأ الأخوة وقانون المساواة، يوم نتيح لطبقات الأمة جميعها الانتساب إلى مراحل التعليم عاليها ودانيها. ويوم نمكنها من الاستيلاء على وظائف الحكومة كبراها وصغراها، فلا يتقدم أحد إلى شىء من ذلك إلا بكفايته الشخصية، ولا يتأخر إلا لعجزه الخاص! أما أن تستطيع طبقة معينة، احتكار هذه النواحى لنفوذها المادى والأدبى، فهذا خروج فاضح على مبدأ المساواة بين الناص، وهدم واضح لقانون الأخوة الذى يجب أن يسود الجميع. وكل امتياز مادى لا يعود إلى تفوق ثابت أو كفاية ظاهرة، فهو ظلم لا مسوغ لبقائه. ولاشك أنه عندما تسوى الطبقات المختلفة، على أساس الصفات المشتركة التى تجمع بين أفرادها، فإنه سيبقى بعدئذ في المجتمع مَن يوصف بأنه كبير، ومَن يوصف بأنه صغير.! وهنا تفرغ المساواة من أداء رسالتها ويجىء دور الإخاء، ليصبغ العلاقات بصبغته النبيلة. فهى ليست علاقة استعلاء من ناحية واستخذاء من ناحية أخرى، بل هى علاقة رحمة وحُنو، أو توقير وإكرام كما قال النبى ـ صلوات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت