ولكنه وثب حيث وقف غيره، أو على الأصح، وُبت به الحظوظ المواتية فما يستطيع كسيح مثله أن يثب. فكبرته الصدف المحضة، ثم كابرت برفع شأنه منطق العقل والعدالة والإنصاف. وها أنت ذا تراه في منصبه العالى وأبهته الرائعة، ملتقى لمظالم فادحة، ظلم المصلحة العامة، ثم ظلم ذوى الكفايات المهضومة، ثم ظلم نفسه التى كففت فوق طاقتها! فقلت: يظهر أن الفرص السانحة عندما تزدحم لخدمة شخص، تعطى معجزة المسيح! فقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ ينفخ في الطين المرمى بالطرق، فإذا به طير يحلق في الجو، ويمسح على عين الأعمى، فإذا بصره حديد! ، ويأتى إلى الجثة الهامدة، فإذا بصاحبها حى يرزق. أليس كذلك تعمل الحظوظ في الشرق؟. إنه من قرون طويلة، وهذه الحظوظ تحول التراب إلى تبر، وتخلق من كل مأفون الرأى، ممسوخ الفطرة، سيدا مهيبا، ملء السمع والبصر!. ألا ما أكثر الخرافات المقدسة في هذا الشرق المسكين!. فقال لى الرجل ـ مستدركا ـ: على رسلك، أين معجزة"عيسى"من فعل هذه الحظوظ؟ لقد كان"عيسى"ـ بإذن الله ـ يهب الحياة الصحيحة لمحروم منها. أما هذه الحظوظ فأقصى ما تصنعه، أنها تضفى على الميت صفات الأحياء وهو ميت لا ريب فيه؟ وتنقله من القبر الواجب له، إلى ديوان فخم ومنصب ضخم، حيث ينقض ويبرم، ويعطى ويمنع، و-شحكم في الرقاب، وتعنو له الوجوه ويزدلف من حوله العبيد. ولو أدرك الغافلون في الشرق ـ وما أكثرهم ـ حقيقة ما يستذلهم، لعلموا أنما تستذلهم الأوهام، وأنهم عندما يطوفون بكبرائهم، إنما يطوفون بموتى، بدلت من الأكفان ملابس مزركشة وأنهم لو هزوا الكراسى التى يجلسون عليها، لسقطت من فوقها أجساد بالية . * * * * عندما يجور ميزان الفرص، وتتذبذب اتجاهاته على غير قانون أو ضابط تضطرب شئون الأمة كلها، وتشيع الفوضى في أمورها.072