فهرس الكتاب

الصفحة 21845 من 26727

وإذا أدركنا أن أوائل الصوفية أثبتوا الأسباب وأنها تؤدى فعلها في الكون بقدرة الله سبحانه وتعالى وبسبب ما أودع فيها من قوى وتأثير لا ينبع من ذاتها بل بإرادة الله فيها ، كل ذلك من خلال مفهومهم للتوكل ، والذى يعد مفهوما راقيا من الناحية الإسلامية ، فإنهم أيضا قالوا: لا يعنى اطراد الأسباب بترابط العلل والمعلولات في عالم الواقع حدوث شئ ما أو فعل ما خارج عن قدرة الله وفاعليته ، مما يعطى مجالا واسعا لإثبات المعجزات والكرامات وخوارق العادات في الاعتقاد الصوفى لأوائل الصوفية .

فأثبتوا إمكانية حدوث معلولات بدون عللها المعلومة ، وفى ذلك يذكر الكلاباذى موقفا لمريم ابنة عمران إذ وجدت الطعام معلولا دون علة ظاهرة ، وردها ذلك لطلاقة المشيئة الإلهية في الرزق بأسباب أو بغير أسباب .

يقول تعالى: { كلما دخل عليها ذكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } (2) .

ــــــــــــــــــــــــ

1-قوت القلوب حـ 4 ص 13 .

2-آل عمران / 37 .

وكذلك ما كان من شأن عيسى عليه السلام حيث شاء الله أن يخالف بميلاده السنة الجارية بمشيئته في خلق الإنسان من أب وأم فلما بشرت به أمه:

{ قالت ربى أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } (1) .

فبين الله هنا أنه لا يحتاج إلى إيجاد العلة لإيجاد المعلول وإنما هو إذا أراد شيئا توجهت إليه مشيئته مباشرة فأبدعه بقوله له: كن ، فيكون سواء كان ذلك الشئ مقترنا بعلته أو مجردا عنها (2) .

والصوفية الأوائل كما أثبتوا حدوث معلولات بلا عللها المعلومة كذلك أثبتوا أيضا إمكانية حدوث العلة مع تخلف المعلول .

فمن ذلك عندهم على سبيل المثال لا الحصر ما حدث لإبراهيم عليه السلام حين وضعوه في النار ، إذ يقول تعالى في شأنه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت