والتوبة مع كونها أول مقام من المقامات عندهم إلا أنها لا تزول بالانتقال إلى مقام آخر ولكنها محمولة معه ضمنا مجموعة تحت لوائه وهكذا القول في سائر المقامات ، فكل مقام يحمل في طياته المقامات السابقة ، ومن ثم فقد اعتبر ابن القيم منزلة التوبة أوسط المنازل وآخرها كما أنها أولها ، وذلك لأن العبد السالك لا يفارقها ولا يزال فيها إلى الممات ، وإن ارتحل إلى منزل أو مقام آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به يقول ابن القيم:
( فالتوبة هى بداية العبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما أن حاجته إليها في البداية كذلك ) (2) .
ودليل ذلك عنده ما قاله الحق سبحانه وتعالى مخاطبا المؤمنين التائبين:
{ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } (3) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-اللمع ص 69 .
2-مدارج السالكين حـ 1 ص 178 .
3-النور / 31 .
وقال أيضا: { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } (1) وإنما أراد من التائبين الاستمرار في التوبة عند الترقى في سلم المقامات (2) .
ومن ثم فإن التوبة مفتاح باب المقامات ، فتوجب للتائب آثارا عجيبة لا تحصل بدونها ، فتوجب له من المحبة والرقة واللطف وشكر الله وحمده ورضا عنه عبوديات أخر ، فإنه إذا تاب إلى الله تقبل الله توبته ، فرتب له على ذلك القبول أنواعا من النعم ، لا يهتدى العبد إلى تفاصيلها ، بل يزال يتقلب في بركتها وآثارها مالم ينقضها ويفسدها (3) .
وفى هذا يقول تعالى عن نوح عليه السلام وهو ينصح قومه بالتوبة لكثرة بركاتها: { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } (4) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-التحريم / 8 .
2-السابق حـ 1 ص 178 .
3-مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن القيم الجوزية حـ 1 ص294 مكتبة المتنبى القاهرة بدون تاريخ .
4-نوح / 9: 12 .