والتائب عليه أن يعيش في صراع دائم مع نفسه ، دون أن يكون الجسد موضع احتقار أو تعذيب أو إهانة ، فله أن يباشر ما احلت الشريعة من زواج ونسل وغير ذلك (1) .
وربما يصيب التائب في بدايته أن ينتابه اليأس إذا حدث أن عاد إلى المعصية ذات مرة فينبغى ألا يقنط في حمل إرادته على تجديد التوبة مرة بعد مرة ليرد الانتكاسة ويبدأ من جديد فالرسول صلى الله عليه وسلم هو سيد العابدين التائبين ومع ذلك يقول: ( إنه ليغان على قلبى فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ) (2) .
فكان من سنته صلى الله عليه وسلم دوام الاستغفار (3) .
فإذا استوفى العبد مقام التوبة ووصل إلى نهاية الطريق فيه انتقل إلى المقام الذى يليه وهو مقام الورع .
ــــــــــــــــــــــــ
1-الرسالة حـ 1 ص 277 .
2-أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء ، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه برقم (3702) وأبو داود في كتاب الصلاة ، باب في الاستغفار برقم (1515) والنسائى في عمل اليوم والليلة برقم (442) وأحمد في المسند حـ 4 ص 260 والطبرانى في المعجم برقم (888) .
3-الرسالة حـ 1 ص 287 .
قال السراج الطوسى: ( والتوبة تقتضى الورع ) (1) .
وفى انتقاله إلى الورع يستصحب معه مقام التوبة ويرتقى درجة في طريقه إلى مقام الحرية .
[2] - الورع: وهومقام بين التوبة والزهد ، فبعد أن سلم المرء نفسه لله بالتوبة الصادقة والأسى على ماض ضاع منه في معصية الله يعزم عزما أكيدا على تجنب ما حرم الله والتمسك بما أحل وأباح وبعدئذ يرتقى درجة إيمانية أخرى وهى أن يعتاد قياس الحلال والحرام بمقاييس فيها تشديد وقوة هذه المقاييس هى مقاييس الورع فليس كل الحلال في نظر الورع سواء ، فهناك حلال لا يعصى الله فيه وحلال لا ينسى الله فيه ، وهناك حلال بين ، وحلال فيه اشتباه وينبغى على العبد أن يتورع عن كل ما فيه دخن (2) .