ثم بين رحمه الله النوع الثاني من معنى"العبد"وهو بمعنى العابد لله، فلا يعبد سواه، ويطيع أومره وأوامر نبيه ويوالي أولياه ويعادي أعداءه، ففرق بين العبد المُعبّد والعبد العابد، وبالفرق بينهما يُعرف الفرق بين (الحقيقة الدينية والحقيقة الكونية) ، وأن من اكتفى بالأخيرة كان من أتباع إبليس والكافرين برب العالمين.
وبعد هذا التحليل المقتضب لأ كثر من عشر صفحات من كتاب العبودية، بدأ ابن تيمية كلامه الذي ساقه المخالف، وأن هذا الأمر مقامه عظيم وأكثر المشايخ الذين خاضوا غلطوا فيه لاشتباه المسالك، فزلق فيه من زلق من كِبارهم، وأن الشيخ عبدالقادر لم يمسك حين ذكر القدر، وذلك لما أكرمه الله تعالى من حقيقة الولاية وذلك لمعرفته بالحقيقتين.
وهذا من الجيلاني ليس من التصوف في شيء، فقد وضح شيخ الإسلام أن هذا الموقف من الشيخ هو ما أمر الله به ورسوله وأن كثيرا من الرجال غلطوا فيه، حيث يشهدون ما قدره الله من المعاصي والذنوب والكفر على الناس، وأنه جار بمشيئة الله وقضائه وقدره وداخل في حكم ربوبيته ومقتضى مشيئته، فيظنون أن الإستسلام لذلك وموافقته والرضا به دينا فضاهوا المشركين الذين قال فيهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام:148) ، وقوله: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} (يّس:47) .
ثم بَيّن رحمه الله خطأ ذلك، إذ لو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به، ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض ونحوه، واستدل بقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} ، كما استدل بحديث محاججة آدم لموسى عليهما السلام في الصحيحين، وأن هذا ليس احتجاجا بالقدر على الذنب، بل إن آدم قد تاب من ذنبه الذي قدره الله فاجتباه ربه وهداه، لكنه لَوم لآدم لآجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة.