فهرس الكتاب
وتشكل سلوكنا وفقًا لهذه الأوهام . أنظر كيف تصدى العوام والمجاذيب لفرسان نابليون في القاهرة، نزلوا من القلعة وهم يحملون النبابيت وتقدَّمهم البله والمجاذيب ومعهم سلاحهم البتار ... قطعة قماش سموها البيرق النبوي وظنوا أنها الراية التي كان يحملها جنود جيش النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته. فدكَّتهم مدافع الفرنسيين دكَّا دكَّا، ولم يجدهم فتيلا شيوخهم ذوو العمائم الضخمة الذين يمشون على الماء ويطيرون في الهواء، ولم يغثهم أقطابهم المدفونون في الأضرحة يطلبون منهم البركات والمغفرة . ولا يغرنك ذيوع ظاهرة التصوف في تاريخنا، فالقول بدوام سيادة الحق وظهوره على الباطل قول غير صحيح، ولكننا نرتاح إلى التسليم به. فشواهد التاريخ، والتاريخ هو المعلم الذي يصدقنا القول، تؤكد لنا أن السيادة والفوز والظهور لا تكون دائمًا للحق، وإنما له جولات، وللباطل مثلها، أو تزيد. وإذا كان الناس قد انخرطوا في سلك المتصوفين لا لشيء غير أن الغير يفعلون ذلك، فالأمر إذن هو التقليد المحض، وكان خليق بهم ألاَّ يقلدوا، فالتقليد من شيم القرود . وكأن هناك اتفاقًا ضمنيًا على قبول ظاهرة التصوف، والتسليم بأضاليلها واستبعاد مناقشتها وتمحيصها بالتجربة،"والبون شاسع بين افتراض الصواب في رأى من الآراء لأن الدليل لم يقم على خطئه وفساده مع تعريضه للمناقشة والانتقاد، وبين افتراض الصواب فيه، لا لغرض سوى صيانته من التفنيد وحمايته من الإدحاض" (19) .