وأما الآخر فتوسل إلى الله بعفته والخوف من الله، وملخص قصته أنه كانت له ابنة عم، وكان يحبها كأشد ما يحب الرجل امرأة، فراودها فامتنعت ورفضت طلبه إلى أن ألجأتها الحاجة إليه، فقدم لها مبلغًا من المال يقدر بمائة وعشرين دينارًا تقريبًا مساعدة لها، وسدًا لحاجتها، فأعاد المراودة بعد هذا الإحسان -فطالما استعبد الإحسان إنسانًا- وألح في طلبه طبعًا، وأخيرًا وافقت على تحقيق رغبته تحت إلحاحه وتأثير الإحسان ونفسها غير مطمئنة بالمعصية فمكنته من نفسها فقعد منها مقعد الرجل من المرأة، فصرخت في وجهه قائلة: اتق الله يا عبد الله، لا تفض الخاتم إلا بحقه -تعني- إلا بنكاح وبطريقة شرعية، هكذا ذكرته بالله، فتذكر لأنه مؤمن، {فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} فقام من مقعده ذلكم فورًا مالكًا نفسه قاهرًا شهوته وهو موقف صعب كما ترون.
هذا ملخص قصة صاحب العفة، فقال وهو في الغار اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فأجاب الله دعوته وأكرمه بكرامته فنزلت الصخرة مرة أخرى، بيد أنهم لا يقدرون على الخروج؛ ولكن أملهم صار أقوى في الخروج من ذي قبل ولا شك.
وأما الثالث: فتوسل إلى الله بحفظ الأمانة إذ عمل عند أجراء كثيرون فأخذ كل أجير أجرته فذهب إلا واحدًا منهم فترك أجرته، وبعد مدة طويلة جاء فطلب أجرته، فقال له: إن كل ما تره من الإبل والبقر والغنم من أجرتك لأني نميتها لك لما طال غيابك خشية أن تضيع، ولم يصدقه؛ بل قال: لا تستهزئ بي يا عبد الله، فقال له: لست مستهزئًا بك، وإنما الواقع ما قلته فسق مالك، فأخيرًا أخذ أمانته بنمائها وزيادتها.
فقال الذي حفظ الأمانة، وهو يتوسل إلى الله بعمله هذا: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأخرج عنا ما نحن فيه، فأجاب الله دعوته وأكرمه بإخلاصه وصدقه، فنزلت الصخرة فخرجوا يمشون، وهذا ملخص قصة الثلاثة.