فهرس الكتاب

الصفحة 25340 من 26727

نعم إن المخدرات المعنوية، والسموم الفكرية؛ هي كالسموم المادية والمخدرات المحسوسة في كونهما يعطلان العقل، ويمنعان من التحليل الصحيح وإدراك الأمور، وترجيح الحق والصواب على الخطأ والباطل، بل هذه المعنوية أشد من تلك المحسوسة، لأن من يتعاطى المخدرات المحسوسة يشعر بأنه مريض، وأن عليه أن يتعافى يومًا، ويؤنبه ضميره، ويشعر بين الحين والآخر أنه مجرم مذنب عاص، وأن عليه يومًا أن يتوب ويقلع، وهذا يعني أن أية فرصة في حياته هي مرشحة للإقلاع عن هذه المخدرات المادية والمحسوسة، وهي وإن أثرت فربما تؤثر على شخص أو جيل من المجتمع أو أكثر ولكن في النهاية ستزول أسباب الإدمان، وتخرق صفوف التجار الذين لا يعملون إلا في الظلام، إضافة إلى أن تجار المخدرات المعنوية لا يعملون كتجار المخدرات المادية في الظلام، إنه يعملون جهرًا، تجار المخدرات المعنوية يعملون جهرًا وعلى مرأى ومسمع من المجتمع والناس، يبيعون بضاعتهم جهارًا، وربما سلطت عليهم الأضواء ليكون هم سادةً في مجتمعاتهم، وقادة في أحيائهم، وليكونوا أسوة لغيرهم، وكذلك فإن المخدرات المعنوية تؤثر على عشرات الأجيال والأمم لأن قوتها في ذاتها، واستمراريتها في داخلها، ودوامها في تركيبتها، حيث لا يرى المدمن عليها نفسه إلا معافى، وفي قمة الاستقامة والشرف والطاعة، وهو على استعداد أن يضحي بكل غال ورخيص من أجل استمرار هذه المخدرات المعنوية لأنه يراها إرث الآباء والأجداد الذي ينبغي له أن يحافظ عليه، ويوصل نفعه إلى أحفاده كما انتفع به أجداده، وانتفع هو بها فيما بعد، ولذلك لو شعر هذا الرجل في يوم ما بضرر هذه المخدرات المعنوية فهو لا يستطيع أن يترفع عن تعاطيها، أو أن يترك الإدمان عليها لأنها تراث الأجداد، لذا تراه كالنعامة يدفن رأسه في الرمال خشية من الحقيقة، لأنه يرى أية محاكمة لهذه المخدرات المعنوية هي محاكمة لآبائه وأجداده الذين ورث عنهم هذا المخدر أو ذاك، وكم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت