وبعد هذا تحرَّك المقلدة وعلماء السوء، وكان السبب في تحرك المقلدة الذين هم في نظر الناس علماء أنهم إذا التقوا بطالب علم صغير من طُلاَّبِنا واستدلوا بحديث قال لهم: مَن أخرجه ؟ وهذا شيء ما ألِفُوه، ثم يقول لهم: ما حال الحديث ؟ وهذا أيضًا ما ألفوه، فخجَّلوهم أمام العامة، وربما قال لهم الطالب: هذا حديث ضعيف في سنده فلان، وضعفه فلان، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وأشاعوا أن هؤلاء خوارج، وحاشا الأخوة من الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين ويكفرون بالمعصية.
وكانت تحدث السقطات من بعض الأخوة المبتدئين؛ لأن الغالب على المبتدئ الحماسة الزائدة - وكنت آنذاك أُحَضِّر رسالة الماجستير - فما شعرنا ذات ليلة إلا بالقبض علينا، فقبضوا على نحو مائة وخمسين وهرب مَن هرب، وارتجت الدنيا بين منكر ومؤيِّد، فبقينا في السجن نحو شهر أو شهر ونصف، وبعدها خرجنا بحمد الله أبرياء.
ثم بعد هذا خرجت بعض رسائل (جهيمان) فقُبِضَ على مجموعة منا، وعند التحقيق قالوا لي: أنت الذي كتبتها، جهيمان لا يستطيع أن يكتب. فنفيت ذلك، والله يعلم أني لم أكتُبْها ولم أشارك فيها، وبعد سجن ثلاثة أشهر أُمِرَ بترحيل الغرباء.
ولما وصلت إلى اليمن عدت إلى قريتي ومكثت بها أُعلِّمُ الأولاد القرآن، فما شعرت إلا بتكالب الدنيا عليَّ، فكأني خرجت لخراب البلاد والدين والحكم، وأنا آنذاك لا أعرف مسؤولًا ولا شيخ قبيلة، فأقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وإذا ضقت ذهبت إلى صنعاء أو إلى حاشد، أو إلى ذمار، وهكذا إلى تعز، وإب، والحديدة، دعوة وزيارة للإخوان في الله.
وبعد أيام أَخرَجَ بعض فاعلي الخير مكتبتي من المدينة، فطُلِب منه خمسمائة ريال سعودي في مركز (كدم) ، وكان المسؤول عنه (المشرقي) فأبى، يظنها رشوة، وهو لا يدري أنها رشوة في حقهم، وأما هو فليست برشوة، لأن الرشوة ما أُعْطِي لإحقاق باطل، أو لإبطال حق.