بَيْنَمَا كُنْتُ أُقَلِّبُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ الَّتِي تَكَلَّمْتَ عَنْ دَوْرِ الصُّوفِيَّةِ فِي الجِهَادِ ضِدَّ الاسْتِعْمَارِ ، وَقَعْتُ عَلَى بَحثٍ فِي كِتَابِ"الانْحِرَافَاتُ العَقَدِيةُ وَالعِلْمِيَّةُ فِي القَرْنين الثَّالِث عَشَر وَالرَّابِع عَشَر" (1/537 - 546) عُنْوانُهُ:"الصُّوفِيَّةُ وَالجِهَادُ وَمُقَاومَةُ الاسْتِعْمَارِ"أَقتَصِرُ عَلَى ذِكرِ بَعْضِ مَا فِيْهِ .
قَالَ عَلِيُّ بنُ بَخَيْتٍ الزَّهْرَانِيُّ مُؤَلِّف الكِتَابِ:"أما بالنسبةِ لموقفِ الصوفيةِ من الجهادِ ومقاومةِ الاستعمارِ ، فإنهُ موقفٌ متباينٌ ، يسودهُ التذبذبُ والاضطرابُ ، فبينما نرى طائفةً منهم أعلنتِ الجهادَ وقاومتِ الاستعمارَ ، وأقضت مضاجعَ المستعمرين ، نرى على النقيضِ الآخر طائفةً أخرى نكصت عن الجهادِ ونكلت عنِ الحربِ ، وانزوت على نفسها فَرقًا وهربًا ."
وبين هاتين الطائفتين طائفتان أخريان ، الأولى منها حاربت المستعمرَ وقاومتهُ ردحًا من الزمنِ ، فلما طال أمدُ القتالِ ، ولم تفلح في طردِ المستعمر ، بل كان هو الظاهرُ عليها في كثير من الوقائعِ ، استسلمت له في نهايةِ المطافِ ، ولم تكتف بالاستسلامِ للمستعمرِ ، وإبرامِ المعاهداتِ المخزيةِ معه ، بل صارت تشنعُ على من يحاولُ رفع رايةِ الجهادِ ضده من جديدٍ ، وينقضُ ما أبرمتهُ من معاهداتٍ ، والطائفةُ الثانيةُ ، وهي شرُ طوائفِ الصوفيةِ جميعًا ، وهي الطائفةُ التي وقفت معهُ منذُ البدايةِ جنبًا إلى جنبٍ ، تؤازرهُ ، وتناصرهُ ، وتقاتلُ في صفوفهِ ، وتحت رايتهِ ، وتدعو الناسَ إلى الرضوخِ له ، وتحذرُ من مغبةِ مقاومتهِ .