ومن الطائفةِ الأولى يعتبرُ أتباعُ الطريقةِ السنوسيةِ الذين جاهدوا الاستعمارَ الإيطالي في ليبيا من أوضحِ الأمثلةِ على ذلك . ويقابلهم في الناحية الأخرى كثيرٌ من المتصوفةِ الذين كانوا يعيشون في غير واقعهم ، ولا يرون الانشغال بغير الذكرِ والزهدِ .
أما الطائفةُ التي قاتلت ثم نكلت ، وجاهدت ثم نكصت ، فأوضحُ من يمثلها هو الأمير"عبد القادر الجزائري"... أما الطائفةُ التي والتِ المستعمرَ ، وقاتلتِ المسلمين في سبيلهِ ، فكثيرٌ من زعماءِ الطريقةِ التيجانيةِ يعتبرون من أبرزِ الأمثلةِ عليها .
... فأما الأميرُ عبدُ القادرِ الجزائري فقد بايعهُ الجزائريون بعد دخولِ الفرنسيين الجزائر ، فقادهم إلى جهادِ الفرنسيين طيلةَ سبعة عشر عامًا ، ولكنه استسلم في آخرِ الأمرِ ، وسلم نفسهُ إلى الفرنسيين فنفوهُ إلى خارجِ البلادِ ، ثم أطلقوا سراحهُ ، بعد أن اشترطوا عليه أن لا يعودَ إلى الجزائرِ ، ورتبوا له مبلغًا من المالِ يأخذهُ كل عامٍ ، وزار باريس ، ثم استقر في دمشق حتى توفي بها .
وحين انهزمت فرنسا سنة 1870 م أظهر كمالَ الأسفِ ، وتزين بنيشيانها الأكبر ، وكان قد أهدي له لدى زيارته باريس سنة 1867 م ، إظهارًا لاعترافِ مصادقتها ، وتخلى عن ملاقاة الناسِ مدةً . واعتبر السنوسي ذلك من أخبارِ وفائهِ ، وكان الأولى بهِ أن يعتبرها من أخبارِ ضعفِ ولائهِ وبرائهِ .
وحين قام ابنهُ محي الدين بإعلانِ الجهادِ ضد الفرنسيين مرةً أخرى ، واتفق مع بعضِ زعماءِ القبائلِ في الجزائرِ ، تبرأ عبدُ القادر منهُ ، وكان ذلك سببًا في انفضاضِ القبائلِ عنه ، وفشل حركته".ا.هـ."