فإن فَهِموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في الصفات الشَّبْعِ (1) صفات المخلوقين من الأعراضِ، فما يلزمونا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات من العرضية، وما ينزهوا ربهم به في الصفات السبع وينفون عنه عوارض الجسم فيها، فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء، ومن أنصف عرف ما قلنا اعتقده وقبل نصيحتنا ودان الله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك،ونفى عن جميعها التشبيه، والتعطيل، والتأويل، والوقوف، وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد، وهو الكتاب والسنة، فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل، وحرفنا هذه وأوّلناها كُنَّا كمنْ آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى.
هكذا نصح هذا الإمام الصادق في نصحه الإمام الجويني شيوخه الذين عاش معهم برهة من الزمن في التأويل والتحريف لصفات الله تعالى كلها أو التصرف فيها بإثبات بعضها وتأويل البعض الآخر، ثم تاب الله عليه فتاب وكتب هذه (النصيحة) التي انتخبنا منها بعض النقاط من أولها وآخرها [وقد نشرناها في مكتبة صيد الفوائد] وقد ناقشهم فيها بالأدلة النقلية والعقلية معًا وطالبهم بالإنصاف -والإنصاف من الإيمان- وأوضح لهم أنه لا يوجد ما يفرق بين ما أولوه وحرفوا فيه الكلام وبين ما أثبتوه من الصفات لأن هذه وتلك جاءت في موضع واحد وهو الوحي من كتاب أو سنة، ودرج على عدم التفريق بينها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وعلماء الحديث.
ثم أوضح السبب الذي حمل علماء الكلام على تأويلهم صفات الله تعالى عامة والصفات الخبرية السمعية خاصة. وهو أنهم فهموا منها خطأ، المعاني التي لا تليق بالمخلوق، قم أرادوا تصحيح ذلك المفهوم الخاطئ فوقعوا في التأويل أي شبهوا أولًا ثم عطلوا ثانيًا، هذه هي حقيقة القوم وعقيدتهم.