وجعل أولئك العلماء والفقهاء أئمة ومعلمين ومربين ، وقدوة للناس ، ولم يجعلهم"كهنة"يختصون"بالطقوس". . ذلك أنه لم يكن عقيدة وشعائر فحسب . . إنما كان عقيدة وشريعة ومنهجًا كاملًا للحياة ، لذلك يحتاج الناس في ظله إلى علماء وفقهاء يعلمونهم أصول دينهم ومحتوياته ومتطلباته . . أما حين يكون عقيدة فحسب ، وطقوسًا تتعلق بالعقيدة ، فهنا يظهر"الكهنة"؛ ليكونوا وسطاء بين الناس وربهم ويظل الوسيط يتضخم في حسهم حتى يخرج عن طبيعته البشرية الخالصة ، ويصبح حسهم مزدوج الطبيعة فيه ناسوت ولاهوت!
جاء الإسلام ؛ ليجعل الدين خالصًا لله ، وجاءت الصوفية ؛ لتحوّل الشيخ في حس المريد إلى وسيط بين الناس وربهم ، بحجة أنه مبارك عند الله ، ترجى بركته ؛ ليقرب الناس إلى الله زلفى ، وليجعل الله يحيطهم برحمته ، فكأنما له شركة في الأمر مع الله ، مع أن الله قال لرسوله الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: {ليس لك من الأمر شئ} (8) !
وجاء الإسلام ؛ ليقرر بشرية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، بشرية خالصة ، لا يخالطها شئ من"اللاهوت"، فغلت الصوفية في حبه وتعظيمه ، حتى جعلت كأنما خلق الله الخلق ؛ ليشاهدوا الأنوار المحمدية ، وليس أن الله بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - لهداية البشرية:
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (9) .
ثم جعلوا من هذا التعظيم ذاته وسيلة لتضخيم الشيخ في حس المريد ، بدعوى أن الشيخ يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه ، ويلتقي منه مباشرة كلامًا يقوله للناس !! (10) .
المصدر: كتاب"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة"ص 57 - 60
(1) سنتكلم في الفقرة القادمة (ثالثًا) عن المقتضى التشريعي للا إله إلا الله .
(2) الزمر: 3 .
(3) الأنعام: 153 .
(4) غافر: 60 .
(5) البقرة: 186 .
(6) فاطر: 28 .
(7) التوبة: 122 .
(8) آل عمران: 128 .