نشأتُ في منطقةٍ مليئةٍ بأمورٍ متناقضةٍ وشؤونٍ غريبةٍ ولغاتٍ مختلفةٍ وطباقاتٍ متباينةٍ وسلالاتٍ عريقةٍ؛ فيها العلمُ والمعرفةُ والتدريسُ ومجالس الذكرِ والسماعِ، وفيها والبِدَعُ والخرافاتُ والأباطيلُ والتوحيدُ والشركُ والإسلامُ والجاهليّة في آنٍ واحِدٍ، تشتبكُ في حينٍ وتتشابكُ في حينٍ آخرَ، مع ذلك قلّ مَنْ يستغربُ هذا الخلطَ والعبثَ، ولا يفكّر في إيقافِ هذا السيلِ الجارِفِ الذي يحملُ الغثَّ والسمينَ، غيرَ أنَّ البيئةَ التي قضيتُ فيها أيّامَ طفولتي وشبابي كانت ساحةً نيِّرَةً في وسطِ هذا الظلامِ، تحتضنُ جموعًا من الطّلبةِ والعلماءِ يتزعّمها كبارُ أسرتي وعلى رأسها المغفور له والدي الشيخ صلاح بن عبد الله بن محمّد الحزين الهاشمي. ولا يفوتني أن أقرَّ هنا بشهادة الحق لهذا الرجل العالم الفقيه الصالح التقيِّ إنّه كان مُوَحِّدًا في إيمانِهِ لا يشوبُهُ قطميرٌ من الاشراكِ. ولهذا ظلَّ مُستَهدَفًا لضغينة شيوخ الطائفةِ حتى أتاه اليقين.
حفظتُ الكتابَ العزيزَ عليه، ودرستُ اللُّغَةَ العربيّة والآدابَ والعلومَ الإسلاميّة على نُخبةٍ من العلماءِ جُلُّهم من العربِ، بجانبِ مادرستُ من العلوم الحديثةِ في المدارس الرسميةِ، فحظيتُ نصيبًا وافِرًا من المعرفةِ والثقافةِ حتّى أصبحتُ محسودًا بينَ أصحابي وأمثالي من الخرِّيجِينَ مماَّ كانوا يعانونَ العجزَ في استخدامِ اللغة العربيّة نطقًا وكتابةً.وهذا العيبُ لا يزالُ شائعًا حتىّ الآنَ في جميع مَنْ تَصِفُهُمُ الناسُ بسمة العلمِ عربًا وكردًا وتركًا في بلادِناَ.